لا يمكن النظر إلى مشروع قانون الأحزاب السياسية الجديد بمعزل عن قانون النقابات المهنية الذي دخل في أدراج مجلس النواب للمناقشة، لأن الحكومة نفسها هي التي أوجدت هذا الرابط العضوي في سياق تبريرها لما تعتقد انه مشروعية إنهاء العمل السياسي في النقابات. لقد كانت حجة وزارة الداخلية وبعض الأطياف السياسية المحسوبة على الحكومة هي أن ممارسة السياسة في النقابات غير مشروع لأن الأحزاب السياسية هي منابر العمل السياسي في الأردن، وأن زيادة الدور السياسي للنقابات يؤثر سلبيا على الأحزاب وينتزع منها صلاحياتها ودورها. باختصار، ظهرت الحكومة أثناء ترويجها لقانون النقابات وكأنها تلعب دور محامي الدفاع عن الأحزاب السياسية، وظهرت وكأنها معنية تماما بتطوير الأحزاب ودعمها وحمايتها حتى تقوم بدورها المطلوب في الحياة السياسية.
وهذا يعني أن أي قانون جديد للأحزاب يجب أن يكون قانونا عصريا ومتطورا يشجع المواطنين على دخول الأحزاب ويوفر للأحزاب مناخا تشريعيا وسياسيا وأمنيا واقتصاديا يساعدها على لعب دورها السياسي، أي أن يكون قانونا متطورا عن قانون الأحزاب الحالي، ويساهم في تجاوز العقبات التشريعية والأمنية والسياسية التي منعت المواطنين من المشاركة الحزبية. أما إذا كان القانون الجديد يساهم في استمرارية جو التشكيك والاتهام والتخوين الذي يرافق العمل الحزبي، ويساهم في تخويف المواطنين من الأحزاب فإن هذا يؤكد أن نية الحكومة هي إنهاء العمل السياسي لا في النقابات فقط بل في الأحزاب أيضا.
وفي البداية لا بد من القول بأن طريقة الإعلان عن القانون وإدارة تشريعه كانت أكثر ديمقراطية من قانون النقابات بمراحل، فقد استمع وزير التنمية السياسية إلى آراء الأحزاب من خلال الاجتماع معها قبل صياغة القانون، ومن ثم قامت الوزارة بإعداد مسودة القانون والإعلان عنه وطلب ملاحظات مكتوبة من الأحزاب لمدة شهر قبل تقديم القانون رسميا إلى مجلس الأمة، وهذه عملية تشاورية تستحق الاحترام بعد ما رأيناه في قانون النقابات الذي طبخه بعض الوزراء وأرسلوه بصفة الاستعجال إلى مجلس الأمة بدون أي حوار ولا ابداء رأي من النقابات.
وإذا كان البعض يشكك في دوافع الحكومة في إصدار قانون أحزاب جديد، وأن قانون الانتخابات يجب أن يسبق قانون الأحزاب، فإن هذه الملاحظات ليست جوهرية لأن قانون الأحزاب بحاجة إلى التعديل بهدف المساهمة في رفع مستوى المشاركة الشعبية في الأحزاب، ولا توجد علاقة عضوية بينه وبين قانون الانتخاب، بل أن التحليل المنطقي هو أن يكون قانون الأحزاب سابقا على الانتخابات في حال تم التفكير بدمج معطيات ايجابية من قانون الأحزاب في قانون الانتخابات، وهذا من الصعب أن يحدث بطريقة عكسية.
اهم ملامح القانون الجديد للأحزاب هو المتعلق بتمويل الدولة للأحزاب من قبل الموازنة العامة، وهذه مسألة فيها الكثير من الإشكاليات. يشير وزير التنمية السياسية بأن جميع الأحزاب ستحصل على البنية التحتية بالتساوي وأن الدعم الإضافي سيكون بناء على معايير ومؤشرات محددة منها نسبة عضوية المرأة والشباب وعدد المنتسبين وغيرها وهذا بمثابة تحفيز للأحزاب لتوسيع قواعدها وزيادة فعاليتها ومشاركتها في صنع القرار.
ولكن هناك مشاكل أخلاقية كبيرة في هذا التوجه.ان تقديم الدعم الحكومي للأحزاب يلغي المبدأ الرئيسي وراء تشكيل الأحزاب. الحزب السياسي هو مؤسسة تجمع بين أشخاص يؤمنون بالتغيير السياسي ومستعدين لبذل الجهد المادي والمعنوي والوقت لتحقيق ذلك، وهذا يعني أن مصدر الدعم الرئيسي للحزب يجب أن يكون من المنتسبين والأعضاء لأن هؤلاء الأعضاء يؤمنون بأن الحزب يمثلهم وبالتالي يقدمون له الدعم الكافي.
واذا كانت الحكومة تريد تقديم دعم ما فيجب أن يكون متناسبا مع الدعم الذي يقدمه الأعضاء لأن هذا هو المؤشر الوحيد لجدية الحزب وأعضائه، حيث يمكن أن تقرر الحكومة تقديم 25% من مجموع الاشتراكات السنوية الحقيقية التي يقدمها الأعضاء كحد أقصى لا أن ينتهي بنا الحال بأن تقدم الحكومة 90% من ميزانية الحزب في بعض المراحل.
ولا ننسى أيضا مسألة استقلالية الأحزاب ومصداقيتها، فكيف يمكن أن يدعي حزب يحصل على نصف ميزانيته من خزينة الدولة التي تديرها الحكومة أنه يشكل حزبا مستقلا يعبر عن مصالح المجتمع والتي تكون في كثير من الأحيان مختلفة عن مصالح الحكومة وكيف يمكن أن يطالب الحكومة باتخاذ إجراءات ومواقف تتناسب مع مطالب المواطنين وهو يحصل في نهاية كل شهر على شيك موقع من الحكومة ليبقى على قيد الحياة؟
وبشكل يرتبط مع هذا التوجه يرفع القانون عدد مؤسسي الأحزاب الجديدة إلى 200 شخص بدلا من 50 وعدد الأعضاء في كل حزب إلى 200 كحد أدنى. هذا البند له تأثيرات مدمرة على بعض الأحزاب على المدى القصير ولكن له ابعاد استراتيجية ايجابية على المدى الطويل. غالبية الأحزاب الحالية سوف تجد صعوبة في تصويب أوضاعها خلال 6 أشهر، وربما تضطر إلى الإغلاق والاندماج، وهذا ليس سيئا بحد ذاته لأن أي حزب يتصدى للدفاع عن قضايا الأمة والوطن ويصدر البيانات والصحف والمجلات ويقود المسيرات لا بد أن يتمكن من إقناع 200 شخص على الأقل بأفكاره والا أصبح عبارة عن منتدى فكري وسياسي وصالون حزبي ليس له تأثير على الواقع السياسي الا من خلال البيانات.
ويساهم التمويل الحكومي للأحزاب أيضا، في اعطاء الشرعية لواحد من أهم متطلبات استقلالية الديمقراطية الأردنية وهي منع التمويل الخارجي للأحزاب. أن البند الذي لا يجيز التمويل الأجنبي للأحزاب الأردنية مهم جدا لأنه يقضي تماما على الحالة الشاذة من الاعتماد على مصادر تمويل خارجية مرتبطة بكثير من الأحزاب ذات التوجهات الإيديولوجية، ويضع الكرة في ملعب »المؤمنين« بفكر هذه الاحزاب الايديولوجية ليقدموا التمويل لها من خلال الاشتراكات والتبرعات.
ولكن كل هذه التوجهات الايجابية في القانون لا يمكن ان تحقق شيئا على أرض الواقع من أهداف القانون وهي زيادة المشاركة الشعبية في حال استمر الهاجس الامني، سواء في الممارسة الحقيقية أو في أذهان المواطنين وهو السبب الرئيسي الذي يمنع المواطنين من دخول الاحزاب، فإذا كان 80% من المواطنين يخافون من انتقاد الحكومة علنا وفق استطلاعات مركز الدراسات الاستراتيجية، فكيف يمكن لهم ان يشاركوا في العمل الحزبي بدون الخوف على وظائفهم ومصادر رزقهم وفرصهم في الحياة التي قد تهددها عضوية الاحزاب؟ وللحديث بقية في التفاصيل التقنية للمشروع.
المراجع
addustour.com
التصانيف
تاريخ أحداث أحداث سياسية قصة