غريب أمر الحكومة، فبعد كل التعنت والإصرار على خروجها من العمل الاقتصادي وانتهائها ببرنامج الخصخصة وبيع كل ما تملك للقطاع الخاص، تطل علينا اليوم بإعلان نيتها إنشاء شركة لاستيراد المواد الغذائية.
هذا القرار يعبر عن انقلاب حكومي على كل المبادئ الاقتصادية التي طبقتها خلال السنوات الماضية، ربما لأنها قد وجدت أن ما طبقته لم يجد نفعا!!.
التحول الحكومي يتجلى في خطتها الأخيرة لضبط الأسعار؛ حيث قامت بنسف مبدأ خروجها من العمل التجاري والاقتصادي، إثر إلغائها لوزارة التموين منذ سنوات وترك مسألة تحديد الأسعار لآلية السوق المفتوح وأسس العرض والطلب.
قبل الخطة؛ كان المسؤولون يرفضون مجرد النقاش في مسألة التدخل الحكومي في الأسعار، ويطلقون أوصافا متطرفة على المطالبين بعودة التسعير، على اعتبار أن ذلك مخالف لكل الأسس التي بني عليها الاقتصاد خلال عقد مضى.
حتى أن المادة الخامسة من قانون الصناعة والتجارة، التي كانت تبيح للحكومة التدخل في الأسعار لتتسنى لها السيطرة على الأسعار، أُهلمت وخُبئت في الأدراج وكأنها غير موجودة.
اليوم نرى الحكومة تنساق باتجاه ما أسمته تطرفا في أيام خلت من خلال خطة ضبط الأسعار التي وضعتها وزارة التجارة والتي قررت الانقلاب من خلالها على كل فات، وليس فقط في موضوع التسعير بل أيضا في موضوع آخر لم يخطر ببال احد بعد كل الرفض الحكومي للتدخل في السوق، التغير الكبير تمثل بإنشاء الشركة بشراكة الجيش.
الشركة التي يتم الحديث عنها ستوكل لها مهمة استيراد المواد الأساسية، حيث سيتم البدء باستيراد اللحوم وستنتهي الإجراءات والدراسات الخاصة بها في غضون ثلاثة أشهر، وهذا يعني أن الحكومة ستعاود ممارسة دور التاجر الذي تخلت عنه منذ بدأت برنامج التصحيح الاقتصادي ليتخلى القطاع العام عن دوره في معظم الأنشطة الاقتصادية.
وزارة الصناعة بهذا القرار تنسف الأسس الاقتصادية المعمول بها بأسهل الطرق من خلال عودة الحكومة إلى العمل التجاري لتستورد وتبيع السلع، بدلا من التفكير بطريقة خلاقة توفر بدائل حقيقية للسوق تضبط الأسعار وتمنع انفلاتها وتراقب الاسواق.
وإذا كانت الشركة ستستورد السلع، فما الفرق بينها وبين المؤسسة المدنية والعسكرية، أما كان من الأجدى توسيع عمل المؤسستين، أليس من الأجدى تطبيق فكرة الأسواق الشعبية التي فشلت الحكومة في إدارتها على مدى عامين.
فكرة الأسواق الشعبية كانت تستحق التوقف عندها أكثر، كونها توفر أداة تنظيم وضبط حقيقية للأسعار تتماشى مع مبدأ اقتصاد السوق، لكن يبدو أن الحكومات تعودت الفشل واعتادت العودة إلى المربع الأول.
توجيهات جلالة الملك دعت إلى إعداد خطة شاملة للحد من ارتفاع الأسعار بشكل فوري، لضمان وصول السلع الأساسية إلى المواطنين بأقل كلفة ممكنة، إضافة إلى معالجة أي اختلالات أو ممارسات تسهم في ارتفاع الأسعار.
وتنفيذ الرؤية الملكية كان متاحا من خلال تفعيل قانوني منع الاحتكار والمنافسة التي غيبت تماما وكأنها غير موجودة، فالتخلص من حالات الاحتكار وعدم تطبيق المنافسة في القطاعات الاقتصادية كان ممكن من خلالها هذان التشريعان.
ليست المرة الأولى التي يعبر فيها الملك عن قلقه على المواطن ومستوى معيشته، ولن تكون الأخيرة، بيد أن السؤال البديهي لماذا لم تبادر الحكومة بالقيام بواجبها المتمثل بخدمة المواطن وحمايته، قبل أن يتحدث الملك؟، هذه مسألة بديهية يجب أن لا تخفى على احد.
وقف الجشع والطمع والتلاعب بقوت المواطن لا يلزمه عودة الحكومة إلى منافسة القطاع الخاص من جديد، بل يتطلب توفير منافسة حقيقية تؤمن للمستهلك أفضل الأسعار فنتائج رجوع الحكومة لتعمل كتاجر يبيع واضحة من الآن، كان الأجدى مواجهة الواقع ووضع حد لحالات الاحتكار بدلا من البحث عن الحلول السهلة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جريدة الغد   جمانة غنيمات  صحافة