كيف سيكون الأردن بعد عقد من الزمان؟ وهل ستسير المملكة في طريق الدولة المدنية التي تحترم القانون وسيادته؟ وكيف نبني جيلا قادرا على تحمل المسؤولية ومواجهة التحديات التي تعصف بالبلد؟ وكيف ستؤول الأوضاع الأمنية في ظل حالة العنف المجتمعي التي تستعر يوما بعد يوم؟.
أسئلة كثيرة وعلامات استفهام أكثر تطرح كل يوم في المجالس والمحاضرات، وسط مخاوف معترف بها وقلق على جيل جديد لم يتسلح بعد بأدوات مناسبة لمواجهة التغير والتحول الذي يمر به البلد في هذه الفترة الحرجة من تاريخ المنطقة.
وتتضاعف الحاجة الماسة للعثور على إجابات شافية لهذه التساؤلات ونحن نشهد يوميا جرائم ومسلكيات غريبة عن مجتمعنا، تصب كلها في ما يسمى بظاهرة العنف الاجتماعي التي تم الاعتراف بها أخيرا كظاهرة تهدد بالعودة إلى دولة "اللاقانون" وتطبيق سياسة الغاب التي يحكمها عامل القوة لتحصيل الحقوق.
ولم أقرأ من قبل دراسة تجمع في تفاصيلها صورة المشهد المحلي بكل تفاصيله الصغيرة والكبيرة والمادية وغير الملموسة، وتلخص الواقع الصعب الذي بات المجتمع الأردني يعيشه بعد اتساع ظاهرة التوترات المجتمعية نتيجة ضعف الإيمان بقوة القانون وغياب العدالة في تطبيقه على الجميع بعدالة ومساواة.
بيد أن دراسة أطلقت يوم أمس أعدها المجلس الاقتصادي والاجتماعي بالتعاون مع المركز الاستراتيجي في الجامعة الأردنية تحت عنوان "سيادة القانون: أمان المواطن وأمن الوطن" يمكن تصنيفها كوثيقة مهمة قدمت شرحا وافيا وعميقا لأبرز مراحل تطور المجتمع الأردني، وحددت محاور في غاية الأهمية لتشخيص الحالة، وأهم من ذلك أنها اقترحت حلولا واقعية وقابلة للتطبيق.
الوثيقة القيمة تعطي الأمل بأردن مختلف في حال توفرت الإرادة لدى الجهات الرسمية والشعبية ومؤسسات المجتمع المدني لتنفيذها وجعلها جزءا من منظومة تحكم المسلك والقرار معا.
فتوصيات الدراسة العميقة تعد بأردن جديد وأفضل إن نحن طبقناها والتزمنا بها، وجعلناها أساسا لتنظيم العديد من المسائل وأهمها ترسيخ سيادة القانون، وتقوية إجراءات التقاضي، وتحسين العلاقة بين الأجهزة الأمنية والمواطن، وتطبيق الأعراف العشائرية، والوقوف على وهن المؤسسات التعليمية ومخرجاتها سواء في المدارس أو في الجامعات، إضافة إلى الاهتمام بقطاع الشباب، ودور المؤسسات المجتمعية.
وفي محاورها وضعت الدراسة يدها على كثير من الجروح النازفة التي أدمت البلد حتى جعلته في بعض الفترات يغلي كأنه على صفيح ساخن، نتيجة الوصول لحالة من الانفلات التي أقلقت أعلى السلطات في البلاد.
ويتضح عمق الدراسة من تركيزها على إصلاح نظام التعليم والمطالبة بإعادة الهيبة لهذا القطاع من خلال البدء في التغيير من المراحل العمرية الصغيرة لتنشئة أجيال قوية وواثقة.
ومن عنوان الدراسة يمكن أن نستخلص معاني كثيرة، أهمها أن شعور الفرد بالأمان في مجتمعه يتولد من جملة عناصر تسهم بخلق شعور مواطنة حقيقي من خلال ما أسماه رئيس المجلس عبد الإله الخطيب بـ" الانصهار الوطني" الذي يكفل حرص الفرد على المصلحة العامة واستقرارها تماما كحرصه على مصلحته الشخصية.
توفر الوعي الكافي لدى الجهات المسؤولة عن تطبيق الدراسة وتطويرها ضروري، لاسيما أن اهمال ما خلصت اليه من توصيات يسهم بتفاقم المشكلة لدرجة تصعب معها السيطرة عليها.
الدراسة تقدم فرصة لإجراء مراجعة شاملة لمختلف جوانب الحياة في الاردن، من أجل خلق أردن جديد أقل عنفا وأكثر انفتاحا واحتراما للقانون.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جريدة الغد جمانة غنيمات صحافة