الأخبار القادمة من المجر تؤكد أن رئيسها بال شميت، استقال من منصب رئاسة الجمهورية، ونزعت منه شهادة الدكتوراه، بعد أن ثبت أنه نقل في رسالته الجامعية حرفيا نصوصا من مصادر بدون الإشارة إليها أو توثيقها.
ما حدث في المجر درس كبير لا يجوز المرور عنه بدون التدقيق في معناه وعبره. فرئيس الدولة الذي نقل جزءا من رسالته أدرك فداحة ما فعل، وتنازل عن موقعه الرئاسي اعترافا منه بجسامة الفعل الذي أقدم عليه.
في الوطن العربي، لو أردنا متابعة ملف الملكية الفكرية، ومدى فهم المجتمعات لها وتقديرها لقدسية هذه الملكية، لاكتشفنا أن معرفة المجتمعات بأهميتها في حدودها الدنيا، ولا يُصنف الاعتداء عليها ضمن الجرائم؛ بل إن النقل والنسخ يعدان أمرين عاديين يرتكبهما الفرد بدون تقدير خطورتهما ومعناهما.
وفي الأردن، تؤكد التحقيقات والأخبار أن أبحاثا بكاملها تُسرق وتُشترى دون أن يرف جفن لوزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي. وكشفت تحقيقات صحفية أن ثمة سوقاً واسعة لإعداد الأبحاث والدراسات ورسائل الماجستير والدكتوراه، باتت تشكل تجارة رائجة، عملاؤها وزبائنها من طلبة المدارس والجامعات.
المشكلة تبدأ في الصغر مع طلبة المدارس التي تهتم بالأبحاث وإعدادها من قبل طلبتها، لكن هذه المدارس تنسى في الوقت نفسه أن تزرع في الطلبة معنى وحقيقة وأهمية حقوق الملكية وتوثيق المعلومات، لنجد الأطفال والطلبة يستسهلون نسخ المعلومات دون الإشارة إلى مصدرها.
بيد أن المشكلة تتسع مع التقدم في الحياة، وتحديدا في المرحلة الجامعية، حينما يستمرئ طالبوا العلم شراء الأبحاث من مراكز ومكتبات اختصت بهذا الشأن الذي يعد مصدرا مدراً للدخل، وسط صمت من إدارات الجامعات والهيئات التدريسية فيها، الأمر الذي يعبر عن مدى الخراب الذي بلغه التعليم لدينا.
التراجع في قطاع التعليم هو المعضلة الأساس، والتي يلزم التوقف عندها قبل أن يستفحل الخراب، خصوصا أن أعراض الضعف العام الذي يعتري هذا القطاع المهم والضروري لتحقيق التنمية، بدأت تظهر بوضوح في مستوى الخريجين لدينا، الذين تراجع تقييمهم بشكل كبير مقارنة بما كانت عليه مخرجات التعليم في عقود ماضية.
التعليم وأوضاعه يعدان دلالة قوة لكل بلد أو العكس، وهو الضمانة الوحيدة لقدرتها على مواجهة التحديات وتحقيق التطور المطلوب. فبالعلم يخرج الناس من فقرهم، وبه أيضا يتخرج الشباب من سوق العاطلين عن العمل، ويتضاعف الإنتاج، وتتولد الأفكار الإبداعية التي تسهم في تطور المجتمعات.
وما بلغه قطاع التعليم من انحدار وترد ينعكس على حالة الفراغ التي يعيشها الشباب، الذين باتوا يملؤون أوقاتهم بالعنف والفوضى، وكل ما هو غير منتج ومفيد. إذ يشير تقرير التنافسية إلى تأخر وتراجع الأردن في النمو البحثي. انهيار القطاع هو بداية الخراب، والفرصة ما تزال مواتية لوضع خطة لإنقاذه وانتشاله من حالة الوهن التي ألمت به، شريطة أن تتوافر الإرادة لدى الجميع لإنقاذه؛ فمستقبل أي بلد مرهون بمدى تطور التعليم، وإصلاح التعليم هو بداية الإصلاح الشامل. في الوقت الذي تنتهي فيه ظاهرة بيع الأبحاث، سندرك جيدا أن العافية عادت إلى قطاع التعليم. وطالما بقي طلبتنا يشترون رسائل دراساتهم العليا، سنبقى نردد أن لا شيء تغير.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جريدة الغد جمانة غنيمات صحافة