لماذا نقرأ الرواية؟ ما الحوافز التي تتضمنها الرواية فتجعل القارئ يتابعها؟ بماذا تختلف الرواية في طبيعة تلقيها عن غيرها من الأجناس الأدبية؟ هل المتعة وحدها هي الدافع إلى قراءتها؟ لماذا حققت الرواية هذا الانتشار الكبير في القرن العشرين؟
يقدم كتاب أحمد محبك "متعة الرواية" دراسة نقدية للرواية العربية، وبخاصة قضية المكان وأهميته في الرواية، ومفهوم الرواية بمعناها العام، ربما تكون مفيدة ومهمة في فهم ظاهرة الرواية التي تكاد تكون أهم الفنون العالمية بامتياز، وتقوم عليها بالإضافة إلى النشر الذي يصل إلى عشرات الملايين أحيانا للرواية الواحدة صناعات فنية سينمائية وتلفزيونية هائلة بعشرات المليارات.
تتحقق متعة السرد عشرات المرات يوميا، وذلك من خلال رواية الحكايات واستماعها ومشاهدة التلفاز، ورواية الأخبار، وتتحقق بشكل أكثر عمقا وقوة من خلال قراءة الرواية، وتمنح متعة التخيل، وتعطي المتلقي خبرة، وتعرفه بعالم جديد، وتحفز مخيلته لبناء هذا العالم وتركيبه بحرية وفق هواه، فينطلق من إسار الواقع الراهن، ويحقق ذاته، ويمارس ذلك في الواقع ويشبع رغباته.
كما يجد المتلقي في الرواية متعة التعرف على الشخصيات، وقد يتماهى مع إحداها ويستفيد من تجاربها، كما يستمتع القارئ بمتابعة الحوادث وترقب المجهول، ومحاولة استكشاف ما سيأتي، ويزداد فهما للواقع ونظامه، ولذلك فإن المرء بعد قراءة الرواية يعود إلى الحياة وهو أكثر راحة وانسجاما مع نفسه، ولعل المتعة الأكبر في هذا كله هي متعة كتابة الرواية وإبداعها ودراستها ونقدها أيضا.
ويعد المكان من أهم عناصر الرواية، فهو الموضع الذي تجري فيه الأحداث وتتحرك خلاله الشخصيات وهو فضاء يحوي كل عناصر الرواية الأخرى، وقد يكون أحيانا هو الهدف من العمل الروائي. والمكان في الرواية غير المكان في الواقع، إنه مكان خيالي له مقوماته الخاصة وأبعاده المتميزة. وتتمثل أهمية المكان في الرواية في كونه عنصرا فاعلا في تطورها وبنائها وفي طبيعة الشخصيات وعلاقاتها، وهو فضاء يتسع لبنية الرواية ويؤثر فيها. وقد ميز الروائي الأردني غالب هلسا بين ثلاثة أنواع من المكان الروائي: المكان المجازي والهندسي والمكان بوصفه تجربة.
أما الوصف فيرسم الأشياء بوساطة اللغة، وهو يصور الأشياء في المكان ولكنه ليس غاية في حد ذاته وإنما يأتي لخلق الفضاء الروائي، وله وظائف كثيرة مثل التصوير الفني للمكان وتمجيد الشخصية، والإيهام بالحقيقة، وخلق انطباع بها، وهو يقوم على الاستقصاء والانتقاء.
ومن الممكن النظر بعد ذلك إلى المكان من وجهة نظر فكرية من حيث هو مكان روائي فني يتم تصويره من خلال وجهة نظر وزاوية رؤية، فهو يحمل قيمة ويمثلها أو يرمز إليها.
وقد احتلت الرواية التاريخية مكانا مهما في النشر والدراما، وعادت الرواية التاريخية تسترد مجدها عربيا بعد جورجي زيدان على يد أمين معلوف الذي قدم أهم وأجمل الروايات التاريخية والتي لقيت انتشارا عالميا، فقد كتب اساسا باللغة الفرنسية.
وقد طغى الاتجاه إلى الرواية التاريخية على التأليف الروائي سواء بقصد تحويلها إلى عمل تلفزيوني، أو العمل الروائي ذاته، ويرجع سر الإقبال على التاريخ لدى المبدعين أو المتلقين إلى أن التاريخ يوفر للمبدع مادة جاهزة للتأليف يستطيع تشكيلها وفق ما يشاء. كما يمتلك التاريخ حوادث مفصلية وشخصيات قوية مؤثرة ويمتلك لدى الجمهور رصيدا معرفيا ووجدانيا وعاطفيا يسهل على المبدع مخاطبته والتأثير فيه، بالإضافة إلى أن التاريخ حسم الصراع بين القوى الفاعلة مما يتفق مع الرواية ويتيح للمبدع حرية العمل فكريا فيثير قضايا مهمة وهو متستر بالتاريخ.
ومن جانب المتلقي يجد الجمهور متعة في استعراض الماضي بإحساسه بما يحس به في الواقع، وقد يساعد التاريخ المؤلف على استخدام العربية الفصيحة في السرد والحوار، ويمنح المؤلف مادة لا تنضب بتعدد القراءات.
ولكن ألا يمل الجمهور من التاريخ؟ وهل الكتابة في التاريخ فرار إلى الماضي؟ وأين الرواية العاطفية والخيالية والاجتماعية؟
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد