منذ بداية الثورة الليبية، تُظهر الصور والأفلام الواردة من هناك طيشاً غير طبيعي في استخدام الأسلحة، فأنت تُشاهد شباباً يُطلقون النيران من أسلحتهم المتوسطة إما في الهواء، أو على هدف بعيد غير واضح، وحولهم يتحلّق عشرات الأشخاص، وتظنّ لوهلة أنّ خطأ واحداً في الاطلاق كفيل بقتل وجرح أغلب هؤلاء.
هذا المشهد المتكرر في كلّ نشرات الأخبار، وعلى مدى عدة أشهر، يؤكد ما قاله عسكري في الثورة قبل أيام أنّ عدد القتلى تجاوز الخمسين ألفاً، فعلينا أن نتوقّع اذن أنّ عدد الجرحى أكثر من ضعفي هذا الرقم، ممّا يعني أنّ ثلاثة في المائة من عدد السكان كانوا ضحايا مباشرين لرحلة التحرر من الدكتاتورية.
هذا رقم أكبر من كبير، ولا يمكن فهمه بسهولة، ولكن التاريخ الليبي يتحدث عن حقائق أكثر غرابة، فقبل مائتي سنة كان عدد سكان ليبيا ثلاثة ملايين نسمة أي ما يعادل عدد سكان مصر في ذلك الوقت، ونعرف الآن أن عدد سكان ليبيا ستة ملايين، أمّا المصريون فيزيدون على الثمانين مليوناً.
التاريخ يقول أيضاً أن ليبيا فقدت نحو مليون شهيد خلال أربعين عاماً، خلال الاستعمار الايطالي والحرب العالمية الثانية، وليس هناك من عائلة ليبية ليس فيها شهيد، وشهد المجتمع الليبي كثيراً من الهجرات الى دول مجاورة، ممّا يُفسّر هذا التناقص في عدد السكان، ولكنّ التاريخ القديم يقول أيضاً ان أوّل محرّر للعبيد من الامبراطورية الرومانية، سبارتاكوس، خرج من المستعمرة الليبية مع رفاقه لاحتلال روما ولو بشكل مؤقت.
ليبيا، كما هو واضح، عانت المرارات بعد المرارات، وعلى مدار التاريخ، من استعمارات خارجية الى أنظمة القمع الداخلية، ولعلّه آن لهذه الدولة العربية المهمّة، ولهذا الشعب الشقيق، أن تشهد هدوءاً وتستريح من عناء رحلة القتل المجاني الطويلة.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة باسم سكجها جريدة الدستور