مازالت الصحافة في الأردن هي الساحة الأكثر تأثيرا وأهمية في الخدمات الإعلامية، وفي تفاعلات الرأي العام والحكم والسياسة والإدارة. وقد أضافت إليها الإنترنت أهمية وأبعادا جديدة جعلتها أكثر انتشارا وأهمية، ونقلتها إلى آفاق عالمية واسعة ومؤثرة. فالأردنيون في جميع أنحاء العالم يتابعون الصحافة الأردنية والأخبار والخدمات اليومية، والعرب في أقطارهم وفي العالم يتاح لهم بسهولة الاطلاع على الصحافة العربية.
ومن السهل اليوم تقنيا معرفة عدد زوار مواقع الإنترنت، بل وزوار مواد وأجزاء محددة من المقالات والأخبار. ومن ثم، فإن قدرا مهما من المعلومات أتيح للتفكير والتخطيط للسياسات الصحافية والإعلانية، ولفهم وجهات الناس واحتياجاتهم، وقياس أثر المادة الإعلامية. وسيكون في يوم قريب متاحا للناس معرفة دقيقة بتفاعلات الصحافة والنشر، وتأثيرها وتداعياتها.
الساحة الصحافية الأردنية شهدت أحداثا وتغيرات مهمة على المستوى العام. وفي التفصيلات اليومية أيضا، هناك الكثير من القضايا والأحداث والتي تعبر عن حراك ونشاط إعلامي واسع، سيكون من الصعوبة الإحاطة بها في مقالة، ولكني آمل أن أعود مرات أخرى، وربما بانتظام، لرصد أداء الصحافة الأردنية وبخاصة المقالات والتعليقات، فهي واجهة الصحافة الأردنية، وتحظى بأهمية كبيرة. فرغم ضآلة نسبة قرائها(عدديا)، إلا أنها نسبة مؤثرة ومهمة، هذا إذا أخذت بالتسليم وإن أخذت بالاعتبار نتائج الدراسات والاستطلاعات، فهي أولا قليلة العدد، ربما دراسة واحدة، فلا تعبر عن واقع وحالة معقدة تحتاج إلى أنواع مختلفة من القياس وأن تجرى أيضا في ظروف وأوقات مختلفة، وأن تؤخذ بالاعتبار مداخل وصياغات ومجتمعات دراسة أكثر تعقيدا في قياس الأثر وفي تقدير اتجاهات الناس والقراء، ولم تشمل أيضا متابعي الإنترنت، وهم شريحة متسعة وتزداد عددا وأهمية.
كانت "الغد" حدثا إعلاميا مهما، ومحطة مهمة في مسار الصحافة الأردنية، ولعله الأكثر أهمية منذ العام 1997 عندما صدرت "العرب اليوم"، وحركت الصحافة وأقامتها وأقعدتها! وليس مفهوما بعد كيف يستطيع رياض الحروب أن يقود مؤسسة وفريقا أصدر صحيفة مثل العرب اليوم، ثم يسير في اتجاه يبدو معاكسا لطبيعة التطور والإنجاز، فيصدر صحيفة أقل شأنا وأهمية بكثير.
وكان سوق الاتصالات مصدرا إعلانيا بالغ الأهمية، إلى درجة أنه أنقذ بعض الصحف من الخسارة. وكان التنافس بين شركات الاتصال سببا في حراك إعلاني مهم للصحافة لأنها بدون الإعلان لا تستطيع أن توازن إيراداتها ونفقاتها، وهذه من التحديات الخطيرة أمام الصحافة الأردنية، فإذا لم تصل إلى حالة يكون فيها التوزيع مصدرا كافيا للإيرادات لا يقل عن حجم النفقات فإنها ستظل ضعيفة مهددة غير قادرة على الاستقلال ولا التحول إلى صناعة مجتمعية واستثمار حقيقي قائم بذاته وليس معتمدا على الآخرين.
ولذلك فإن سياسة الاشتراكات التي اتبعتها "الغد" كانت نقلة إبداعية في تسويق الصحافة، وفي دفع المستهلك إلى عادات وسياسات جديدة، فالاشتراك هو القناة الحاسمة والأكثر أهمية في تسويق الصحيفة، لأنه يضمن سوقا ثابتة ومستقرة للصحافة، ويتناسب مع عادات القراءة الصباحية للصحف، ويجعلها عائلية، ويحقق للصحيفة إيرادا ثابتا تحصل عليه مسبقا.
وبالمناسبة فإن قيمة الاشتراك المنخفض لـ"لغد" يحقق إيرادات أفضل من التوزيع على النقاط، فشركات التوزيع تتقاضى نسبة عالية من الإيرادات، كما أن نسبة الهدر في الصحف وتحصيل ثمنها مرهقة ماليا وإداريا.
التحول إلى الاشتراك في الصحف بدلا من شرائها من المحلات التجارية والإشارات الضوئية سيحقق إن نجح، وأعتقد أنه المسار المنطقي المتوقع للصحف والمستهلك سيحقق نتائج كبيرة في العادات القرائية واستهلاك الخدمات الإعلامية، وفي الإعلان، وفي إيرادات الصحف وتسويقها أيضا.
فالاشتراك يضمن وصول الصحيفة مبكرا وفي وقت مناسب للمستهلك، ويجعل الصحيفة مقروءة من جميع أفراد العائلة، وينهي أزمة التوزيع الضئيل في أيام العطل، ويحقق رقابة أكثر فاعلية من قبل القارئ على صحيفته، لأنه سيتعود عليها وتنشأ بينه وبينها علاقة وسيلاحظ فورا ويوميا القوة والضعف والإنجاز والفشل في الصحيفة، وربما تنهي سياسة الاشتراك(أخشى أنها آمال شخصية وليست توقعات) ظاهرة الكتاب والصحافيين الذين يفرضون على القارئ، والذين لا يقدمون شيئا مفيدا، وتنهي أيضا فكرة خاطئة استقرت في مرحلة سابقة لدى القائمين على الصحف مفادها أن الصحيفة تصدر بأي مضمون يطبع على ورق، حتى لو كان شيئا لا يمكن قراءته أو فهمه، وأن الحكم والمرجعية على الصحافية هي اعتبارات إعلانية وسياسية ليس للقارئ فيها دور، برغم أنه هو الذي يدفع ثمن الصحيفة، وبرغم أنها موجهة إليه أساسا.
وسيكون الاشتراك مصدرا إضافيا للتسويق، فقد توزع الصحيفة على مشتركيها مواد أخرى لمنتجين آخرين، وهي عملية مفيدة أيضا للقارئ والمعلن، وستطور وتمؤسس عملية بيع الصحف بدلا من البيع العشوائي والخطر في الشوارع، فتفيد بائعي الصحف ولن تضرهم كما يظن البعض، لأنهم هم أنفسهم الذين يمكن أن يتحولوا إلى العمل في الاشتراكات بدلا من البيع.
وأضافت الإنترنت نافذة تفاعلية بين القارئ والصحيفة والصحافيين والكتاب، لم يتطور هذا التفاعل بعد، لكنه من المؤكد سيكون في المستقبل القريب ساحة حاسمة ومؤثرة في مسار الصحف وعلاقتها بالقراء، ولن يكون سهلا على الصحف أن تواصل سياسة التلقين الأحادية السابقة، فالقارئ سيتحول إلى شريك مع الصحيفة يساهم في التخطيط والاختيار والتقييم، وإذا كانت مقولة القارئ هي التي تحكم على الصحيفة صحيحة في مرحلة سابقة، فإنها قريبا ستتحول إلى حقيقة عملية واقعة، وهي حالة بالغة الأهمية للقارئ وللصحيفة أيضا، فسيكون بمقدور القارئ المشاركة في توجيه صحيفته نحو الأولويات والاحتياجات التي يراها، وسيكون بمقدور الصحيفة أن تخطط وتقدر اتجاهات المستفيدين وتستقل أيضا عن المعلنين والسياسيين، أو على الأقل يحدث توازن بين القارئ والمعلن والسياسي في التأثير على الصحيفة، وسيكون ذلك مفيدا للمعلنين وللحكومات والأحزاب والنقابات والمجتمعات للوقوف بموضوعية على اتجاهات الناس واحتياجاتهم، فهذه التغذية الراجعة العملية والسهلة تشكل قاعدة معلومات واسعة جدا تفوق كثيرا في أهميتها وشمولها الوسائل التقليدية في قياس الرأي واستطلاعه، وتقل عنها في التكلفة، والأمر بالطبع لا يخلو من المقالب والتضليل، ولكن الممارسة والتراكم والزمن سيحقق معادلة عامة وتقنية أيضا تتجاوز التلاعب الممكن اليوم عبر الإنترنت.
ويبدو أن الصحافة الأسبوعية تواجه تحديا مصيريا، وأنها جميعها مهددة بالتوقف والانحسار، وهي قضية كبيرة وجدلية وتحتاج إلى نقاش وأدلة، ولكن من المؤكد أن أزمة التوزيع والتسويق والإيرادات التي تواجهها هي مقدمة منطقية وحاسمة لتحديد مصيرها والتفكير فيه، ويبدو أن الإنترنت التي أنعشت الصحافة اليومية ستنهي الصحافة الأسبوعية.
الواقع أنني عندما بدأت كتابة هذه المقالة كنت أفكر أساسا في التعليق على مقالات وإنجازات صحافية في الأسبوع الماضي، وبخاصة تغطية المؤتمر الإسلامي، والذي قدمت فيه صحيفتا "الغد" و"الرأي" أسلوبا جديدا قائما على الملفات والمعلومات والتغطيات الواسعة والشاملة، وهو أسلوب ربما يكون انتقل إلى الصحافة من مواقع الإنترنت الكبرى كما في الجزيرة (عربيا) والسي إن إن، والبي بي سي، ويقدم خدمات واسعة وإحاطة جارية ومهمة للقارئ، وهو عمل صحافي يستحق مقالة مستقلة.
ونشرت الصحافة الأردنية تعليقات ومقالات مهمة حول المفاوضات الأميركية مع المقاومة، والفساد، والفقر، وصدر كتاب للزميل سميح المعايطة "قضية ومقال" وأصدر الزميل أحمد أبو خليل العدد الأول من مجلته "المستور" وجميعها مواضيع تستحق عودة ومناقشة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد