يسألني الشاب في قاعة رسائل الماجستير والدكتوراه في الجامعة الأردنية، أين يمكن أن يجد رسالة في موضوع "التنمية الريفية". وعندما أرشدته إلى المكان، قال إنه يبحث عن رسالة يكون حجمها معقولا، ليصورها ويعيد طباعتها على أنها رسالته، التي سيقدمها في جامعة عربية!.
واختار واحدة من الرسائل وأخذها إلى التصوير. وعندما رفض الشاب الذي يعمل على آلة التصوير، تصوير الرسالة كاملة، قال له موضحا، وبعفوية أيضا: إنه يريد إعادة طباعتها ليقدمها للجامعة التي يدرس فيها! كان الشاب يتحدث بعفوية وليس بفهلوة، وكأنه لا يقوم بخطأ جسيم، وكأن البحوث والدراسات تعد بهذه الطريقة.
"متخصصون في طباعة الأبحاث، نطبع الأبحاث المختلفة، مدرسية، جامعية، تخرج، ماجستير، طباعة متميزة وبمواعيد مناسبة". هذا مجمل نص إعلان نشر في الصحف، فهل هو إعلان لطباعة البحوث بالفعل؟ وما الفرق بين طباعة البحث الجامعي والتخرج والماجستير؟.
لا يحتاج مثقف في مستوى متوسط من الجدية والنباهة ليدرك حجم الكارثة، والنصب والاحتيال والتزوير، والكسل والاختيار الأسهل، والتطبيق الشكلي لمناهج البحث، على موضوعات وأفكار وهمية، وليجد ببداهة أن صناعة البحث تحتاج إلى مراجعة أساسية، وتوقف شامل؛ رسائل الماجستير والدكتوراه، والبحوث والدراسات المنشورة في المجلات الجامعية الأكاديمية، وإصدارات وأعمال مراكز الدراسات، وما يسمى البحوث الجامعية والمدرسية، والكتب الجامعية لأغراض التدريس والإطلاع، والكتابة والتأليف والنشر بعامة.
وإذا تجاوزنا "بزنس واقتصادات البحوث" -التي تشكل عالما محيطا بالجامعات، يقصده الطلاب، وحتى الأساتذة- إلى مراجعة عفوية، مع قليل من الصبر والذكاء، لمخرجات البحث العلمي في الجامعات ومراكز الدراسات، والمؤلفات والأعمال الفردية، لأمكن ملاحظة ركام هائل من الغثاثة و"الشلفقة والضحك على اللحى"، تجعل العثور على بحث، أو دراسة جديرة بالإطلاع، أو يمكن أن تضيف شيئا، أو تتميز بشيء، أمرا مبهجا! وللأمانة فإن هذا يحدث في مرات كثيرة.
كم مرة استخدمت البحوث والدراسات المنشورة، أو المودعة في الجامعات، كمراجع ومصادر لدراسات أخرى، تؤشر على أن الباحثين استفادوا منها، أو أنها مهمة ومفيدة على نحو ما؟ الإجابة ليست صعبة جدا. فمراجعة مصادر الدراسات المتاحة ومراجعها، تظهر بوضوح أن "الاستشهاد المرجعي" بالرسائل والدراسات المكدسة والمنشورة ضئيل جدا، إلى حالة تقترب من العدم.
هل المراجع المثبتة في نهاية الرسائل والدراسات حقيقية؟ يمكن بسهولة ملاحظة أن كثيرا من المراجع لم يطلع عليها "الباحث"، أو أنها ليست حقيقية، أو لا تصلح ابتداء لتكون مرجعا؛ كأن يضع كتبا ثانوية اعتمدت على كتب ومصادر أولية أخرى، مثبتة أيضا في قائمة المراجع، أو أن يدعي أنه استخدم مراجع هي في الحقيقة استخدمها كاتب آخر، اعتمد عليه في "لطش المصادر"! وهو أمر يمكن استنتاجه بسهولة، من اللغة المستخدمة، لأن الباحث المنقول عنه قد تصرف في الاقتباس، وحول في اللغة، وأجرى عمليات تلخيص واختصار وحذف في النص الأصلي، أو وقع في أخطاء في النقل والترجمة، كررها الباحث الناقل. وثمة دراسات منشورة في مجلات أكاديمية لأساتذة هي تلخيص لكتاب منشور، ووضع في نهايتها مجموعة من المراجع على سبيل التلفيق والحيلة المنهجية.
ما العلاقة بين النتائج والتوصيات وبين البحث؟ في كثير من الأحيان لا تستطيع، حتى باستخدام أدوات الرابط العجيب، أن تربط بين نتائج معدة سلفا، أو منقولة حرفيا عن رسالة أخرى.
وقراءة تصفحية لعناوين الرسائل والدراسات، تجعلك تجزم أنها لا تضر ولا تنفع، ولا يمكن أن يعود إليها أحد، ولن يستفيد منها أحد، وبخاصة رسائل التربية، ما المشكلة في موضوعات "التربية" في جامعاتنا؟.
وإذا قدر لك أن تحضر مناقشات الرسائل التي تجري في الجامعات، فستجد غالبا أن من بين أعضاء لجنة المناقشة، وأحيانا المشرفين، من لم يقرأ الرسالة موضوع المناقشة، أو أنه تصفحها على عجل قبل ساعة من المناقشة، ويكون حدثا غير عادي بالنسبة للحضور، إذا كان من بين أعضاء اللجنة أستاذ جاد ومطلع، يضيف في المناقشة شيئا جديدا! وكانت هذه الفرص أكثر وقوعا عندما استقطبت الجامعات عددا من الأساتذة العراقيين الأكفاء.
يفترض أن مئات الرسائل الجامعية والبحوث المنشورة للأساتذة، تشكل ثروة بحثية نادرة، في بلد ينفق أقل من نصف بالمائة على البحث العلمي، فهل يليق أن يهدر هذا القدر الضئيل على دراسات وهمية، أو غير مجدية، أو في أنشطة علاقات عامة واحتفالات تسمى مؤتمرات وندوات؟.
تستطيع الجامعات والمؤسسات، العامة والخاصة، أن تحدد أولوياتها البحثية، وتقدر احتياجات المجتمع والدولة، وتوجه الباحثين. ويمكن بقليل من المال والحوافز، تشجيع الطلبة والأساتذة على العمل في مجالات وحقول ثمة حاجة إليها.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد