مع أننا قطعنا شوطا كبيرا في تأسيس هيئة الصحافة الإلكترونية العربية، ونقف دائما مشجعين ومحفزين لأي نشاط إعلامي عربي يتماشى مع التطور التكنولوجي ويهتم بجميع الفئات المرتبطة بهذا الجهاز الذي يسمى حاسبا آليا "كمبيوتر"، وقد قمنا بعمل مجموعة من الدراسات التي تؤكد أن الفئات العمرية 15-35 عاما تتلقى معظم معلوماتها اليومية السريعة والبحثية والثقافية من الشبكة العنكبوتية ومواقع الإنترنت. ومع ذلك فقد لاحظنا أن الابتعاد عن الصحافة المكتوبة والأدوات الثقافية المطبوعة قد يكون إشارة على تراجع الوعي السياسي الجمعي والتحول بشكل كامل إلى الوجبات السياسية السريعة على مستوى هذه الفئات ثم على مستوى الكتاب والمتابعين من الفئات الأخرى.
القراء ثلاثة، واحد يقرأ للتسلية وتمضية وقت الفراغ، والثاني يقرأ فقط عناوين ورؤوس أقلام تبقيه على إطلاع وتواصل، والثالث يريد أن يقرأ ليفهم ويعرف ويدرك ويحلل ويبحث ويناقش ويشارك..الخ، والصحافة الإلكترونية ثلاثة أصناف، واحدة تهتم بالعناوين البراقة المتعلقة بالجرائم والمصائب والعقد الاجتماعية والسياسية، والثانية تشتمل على عرض أوسع يتضمن مجمل الأخبار والتحليلات والكتابات الصحافية المنوعة، والثالثة -وهي قليلة نسبيا- وتتمثل في المواقع الإلكترونية الشاملة التي تجد فيها كل ما تحتاجه من معلومات قيمة أو سريعة أو ثقافية أو تحليلات مهمة تدفع القارئ ليفهم ويدرك ما يحدث حوله.
كنا في الماضي، نتوقف عند بعض الأخبار ونقرأها في الصحيفة المطبوعة مرات، أحيانا كنا نتألم بشكل كبير من بعض الأخبار المؤذية، كنا نبكي حين نقرأ خبرا عن أن المستوطنين اليهود يحفرون نفقا في القدس، ونفتش عن تحليلات تبحث في هؤلاء المعتدين الذين يحفرون في مقبرة الرحمة ليلاً محاولين الوصول إلى المسجد الأقصى ونذهب فورا للبحث عن تحليلات كل الكتاب الصحافيين حول خطورة عمليات التهويد للمدينة المقدسة، اليوم صار اهتمامنا بالأخبار يشبه الرقص تحت المطر، متعة لحظية في قراءة عنوان الخبر الملون ثم إرساله فورا إلى شخص آخر عبر البريد الإلكتروني الذي يقوم أيضا بتحويله إلى شخص آخر من دون أن يفكر في قراءته.
لا نستطيع اتهام الصحافة الإلكترونية أنها وراء عزل الأمم والشعوب، ودفعها بعيدا عن الثقافة والوعي السياسي، قد تكون أنماط الحياة المتبدلة متهمة، ولكن الناس أيضا يحتاجون للتوقف والتمعن في ذلك، كذلك على القائمين على الصحافة الإلكترونية العربية أن يعيدوا تقييم مواقعهم لتشتمل على ما تشتمل عليه الصحيفة المطبوعة في مجال التحليل السياسي والثقافي والعلمي وشؤون الطفل والمرأة والأسرة والمجتمع.. الخ، كما يمكنهم الترويج لبعض القراءات المهمة من خلال إشارة ترويجية على الصفحة الأولى لموقعهم الإلكتروني، وعليهم أيضا قبل أن يبدأوا العمل في الصباح الباكر أو وقت البدء، إحضار الصحيفة اليومية المطبوعة وتدقيق جميع أخبارها ومواضيعها وتحليلاتها (بحيادية وموضوعية) قبل البدء بتصفح مصادر الأخبار الإلكترونية التي قد تخدع وتضلل روادها وتوجه انتباههم إلى مواضيع وأخبار تحاول أن تأخذ الناس بعيدا، بطريقة بريئة أو مقصودة، وقد يكون هناك أهداف أخرى غير معلنة، أقلها هو عزل الأمة عن قضاياها الرئيسية وسلب الأمل من قلوب الناس وتحطيم معنوياتهم.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   جلال الخوالدة