في قرية ليست بعيدة عن الصخب والحب، كان هناك أستاذ يحظى بحضور وشعبية بين أقرانه ومحبيه، القرية كانت مجمعا للعائلات المتناطحة على العمل السياسي، ومصدرا رئيسيا للشغب، خاصة حين تقترب حمى الانتخابات النيابية، فمن عائلة واحدة فقط، يظهر مرشحان على الأقل، لكن أهل القرية، قرروا هذا العام، بتناغم صامت لم يُعلن، أنهم سيختارون وجهاً جديداً، مع أنه ليس ابن إحدى العائلات الكبيرة، لكن "الكريزما" التي كان يتمتع بها، والقلب الطيب الحنون الذي اختبره معظم اهالي القرية، تقريبا، جعله مرشحهم السري، وحين ضغط عليه البعض وأقنعه بترشيح نفسه، لم يأبه أحد بذلك، كانوا يظنون أنه لن يحصل على صوت واحد، فهو فقير إلى حد ما ولا يمتلك سوى تلك الدرجة من البكالوريوس في المحاسبة.
وافق "الأستاذ" على ترشيح نفسه، وفي الليلة المعهودة للتنفيذ، كانت الصدمة مضاعفة، لقد حاز على معظم الأصوات، وترك أبناء العائلات "الغاضبة" يتقاتلون فيما بينهم، وراح يحزم حقائبه ويودع الأهل ويرتحل إلى العاصمة.
بعد افتتاح المجلس، وتوزيع جميع المناصب! فكّر الأستاذ فيما يفعله هناك، شعر بنفسه غريباً وسط كل هذا الضجيج، حاول أن يتأقلم، لكنه شعر بالوحدة والوحشة، كان يحب تلك القرية وظنّ أنه سيقدم لها الكثير، وحاول أن يفهم شيئاً، لكنه، وجد حاجزا بينه وبين ما ظن أنه قادم ليفعله، فراح يسأل زملاءه في العمل عن الدور الذي يجب أن يقوم به بين كل هؤلاء اللاعبين، فقالوا: "أبدا، تجلس في مكتبك، كالموظف في الشركة وتذهب لحضور الجلسات في الموعد المحدد، وحين يتم طرح موضوع للنقاش أو قانون للإقرار فانظر حولك، فاذا كان معظم الزملاء قد وافقوا فوافق وإذا رفضوا فارفض، وهذا هو عملك الرئيسي والذي عليك أن تهتم به".
يوافق على ماذا ويرفض ماذا؟ ولماذا؟ وما هي خبرته التشريعية التي تجعله مؤهلا للموافقة على قوانين تتحكم في حياة الناس جميعا أو كيف يمكنه حتى رفضها؟ وما هي الخبرة التي يمتلكها حتى يكون مؤثرا وفاعلاً في ذلك؟ فإذا طُرح موضوع الموازنة العامة، مع أنه خريج محاسبة، فكيف يمكنه أن يقر الموازنة أو يناقش تفاصيلها، وما هي الأسس التي عليه تعلمها قبل أن يفعل ذلك؟ إنه عمل صعب بلا شك، فاما أن يبدأ يتعلم ويبحث ويدرس ويختبر وإما أن يتحول إلى "خيال مآته" يتحرك على وقع حركات الآخرين، أو يعود إلى قريته وتلاميذه ومحبيه!!
يقول أفلاطون: المشكلة السياسية أننا في المسائل التافهة مثل صناعة الأحذية نعتمد على المختص في صناعة الأحذية لصنعها لنا، أما في السياسة فإننا نفترض أن كل شخص يقدر على احراز الأصوات يستطيع إدارة المدينة".
لا أحد يفهم كيف تبُذل الدولة جهودا عجيبة للبحث عن "وزير" يحمل شهادة الدكتوراة ولديه خبرات واسعة في محتوى الحقيبة التي يحملها، وأنه قد حصل على دورات عالمية وشارك في مؤتمرات وندوات متخصصة، مع أنه يقوم بدور تنفيذي صرف، بينما حين تسعى لتكوين مجلس للشعب؛ يشرّع ويحدد قوانين الأمة ويرسم معالم الحياة السياسية فيها، لا يضيرها أن يكون فيه جاهلون في العمل النيابي، ولا أقول في مجالات أخرى، مع أن مؤسسة الشعب هي صاحبة الأولوية الأولى، من دون منازع، صاحبة الحق أن تكون مؤهلة، أكثر من غيرها، فهي مؤسسة ادارة رقابة ومحاسبة وتخطيط وتشريع، الموضوع خطير، ومع ذلك فالجميع يعلن بسعادة غامرة ويحتفل أن لدينا 70 % من النواب الجدد الذين يمارسون العمل النيابي لأول مرة، ولا يتطرق أحد لخطورة "احتمال" أن يكونوا فاقدين للخبرة العملية والتطبيقية في التشريع أو الرقابة أو العمل البرلماني بشكل عام.
اقترح على رئيس المجلس، والكتل البرلمانية التي تشكلت والمستقلين، البدء فورا ببرنامج تدريبي ساخن ومكثف، يتعلم خلاله النواب، كل ما يتعلق بالعمل البرلماني، ويتدربون أيضا على أصول وأسس التشريع والرقابة ومناقشة القوانين والإقتراحات والتوصيات، كذلك خبرة تدريبية عملية، مع القطاعات المختلفة المجتمعية المعنية بهذه القوانين، على أن يحدث ذلك، قبل أن يحزم الأستاذ حقيبته، مرة أخرى، ويعود إلى قريته، آسفاً على أنه لم يستطع أن يقدم شيئاً لأمته ووطنه.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   جلال الخوالدة