صحيح أن الاهتمام بالمحافظات الأردنية، وتنميتها وتطويرها، وإيجاد مشاريع حيوية لدعم نموها، له الأولوية القصوى. ولكننا أيضاً لدينا عاصمة اسمها عمّان. وخلال سنوات قليلة، وللأسف، لاحظنا أنها بدأت تفقد حيويتها وتألقها، وتخسر من مكانتها كبوابة لكل الأردن.
عمان هي اليوم موطن لأكثر من مليونين ونصف مليون نسمة. ويرى بعض المؤرخين أن تاريخها يعود إلى 7000 عام قبل الميلاد، ويعتبرونها من أقدم مدن العالم المأهولة بالسكان. وقد عرفت باسم "ربّة عمّون"، ثم "فيلادلفيا"، ثم "عمّان". وكانت عاصمة للعمّونيين، وهم شعوب سامية قديمة استوطنت شمال الأردن في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، إلى جانب الأدوميين والمؤابيين. وقد أنشئت المدينة على تلال سبع، وبقيت مركزاً للمنطقة العربية عقودا طويلة، وكانت إحدى عواصم  بلاد الشام الأربع. ومع أن عمّان احتفلت، كما رأت أمانة عمان الكبرى العام 2009 بالذكرى المئوية لتأسيس أول مجلس بلدي لها في العام 1909، لكنها  أصبحت عاصمة لإمارة شرق الأردن في 8 كانون الثاني (يناير) 1921، وهو اليوم الذي توّجت فيه عمّان عاصمة للأردن الحديث، والذي يستحق أن يسمى يوم عمّان.
إذن، عمّان لها ميزات تاريخية وجغرافية تجعل لها نكهة مختلفة عن كثير من العواصم العربية والعالمية. وبالإضافة إلى النسيج المجتمعي الفريد الذي يتشكل منه سكانها، فهي المركز الثقافي والسياسي للدولة. ولذلك، نرى أن إصلاح عاصمتنا،  يحتاج إلى جهود جبارة من جميع الأردنيين، ومن الحكومة التي تبحث عن موارد جديدة، ومنها استقطاب الاستثمار الصناعي والتجاري وغيره، وتفعيل السياحة الحقيقية: سياحة المعارض والتسوق والمهرجانات، وسياحة التاريخ والثقافة والملتقيات والمؤتمرات، والسياحة العلاجية. ولا يتم ذلك أبدا إلا بالجدية بالاهتمام في البنى التحتية المتطورة والحديثة لعاصمة الدولة التي تبحث عن هذه الموارد، وتعلم أهميتها، فأين هو المخطط العام لعاصمة الأردن؛ المخطط الذي يشرح موقعها وماضيها وحاضرها ومستقبلها، ويوضح البنية التحتية الحالية لها، وكذلك المتوقعة خلال 20 عاما على الأقل.
لن نثقل عليكم بالتنظير، ولكن التجربة التي رصدناها لكثير من المدن المتفوقة، انطلقت أصلاً من اهتمام مشترك بين حكوماتها ومؤسسات المجتمع فيها ومن سكانها، لحمل مسؤولية تحويل تلك المدن إلى منارات متألقة، فتضع الدولة القوانين والتشريعات والخطط والمشاريع التي تعزز الاستقرار السياسي والاقتصادي وترفع من سوية البنى التحتية، وتحرص على متابعة وتنفيذ كل ذلك بشفافية مطلقة. وكذلك تضع مؤسسات المجتمع البرامج والمبادرات والأفكار الإبداعية والعملية التي تحركها وتدفعها من خلال المنافسة المؤثرة إيجابيا، فتتحرك المدارس والجامعات والأندية والجمعيات وتتطوع لتنظيف المدينة بشكل دائم، وترميم المساكن وتزيينها، والمساهمة في إرشاد وتوجيه السائقين وتنظيم حركة المرور. وترعى الشركات والمؤسسات العامة والخاصة هذه النشاطات، وقد تتبنى مبادرات أخرى حيوية، كالاهتمام بالحدائق وزراعة الأشجار وإنشاء المكتبات وإيجاد الملاعب، وغيرها الكثير من المبادرات والأفكار التي لا يتسع المجال لحصرها. نضع بين يدي دولة رئيس الوزراء فكرة إطلاق مسمى خاص على يوم الثامن من كانون الثاني (يناير)، ليكون "يوم عمّان"، وهو اليوم الذي سميت به رسمياً بعاصمة إمارة شرق الأردن العام 1921. وإطلاق وتشجيع ودعم كافة الأفكار والبرامج التي من شأنها المساهمة بجدّية في أن تعود عمّان إلى تميزها وتألقها كبوابة حضارية مشرقة لأردننا الحبيب.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   جلال الخوالدة