المزاج السياسي القائم لا يشجع على الإصلاح والعمل. فليس المطلوب "بهدلة" مسؤول، ولا تقديم خطاب إعلامي قاسي النقد والمعارضة، فذلك لا يحسن حياة المواطنين ولا يلائم صراعا طويلا مع الفساد والترهل، ولا مراجعة دؤوبة مع المرحلة السابقة، ولا يقدم تصورا عمليا واضحا للخروج من الأزمة والمأزق. يجب أن يتذكر الناس والنواب والحراك الإصلاحي أننا لسنا في العام 1989 عندما كنا فرحين بالديمقراطية ونتعامل مع العملية السياسية القائمة وكأنها عرس، ونصفها باعتزاز بانها "عرس ديمقراطي"، فقد انتهى العرس ودخلنا في مرحلة قاسية ومملة من العمل، فليست الحياة كلها أفراحا وليالي ملاحا!!
الحكومة أيضا تبدو نفسيا ومزاجيا وكأنها تدير أزمة ومشغولة بالرد والصراع (نستخدم هنا كلمة الصراع بمعناها العلمي وليس الشعبي)، أكثر مما هي مشغولة بتطبيق برامج وأفكار والارتقاء بالعمل العام وتحسين حياة المواطنين، وتفكر في الرد والمواجهة أكثر مما تفكر بواجباتها الأساسية وأعمالها الكثيرة جدا التي لا تشكل العلاقات العامة والإعلامية منها سوى جزء ضئيل.
صحيح أن الإعلام الجديد مؤثر وجميل، ولكن للأسف الشديد فإن القمح لا يزرع في الإنترنت، والطاقة لا نحصل عليها من "الفيسبوك"، والماء لا ينبع من لجان الحوار الوطني ولا يزيد ولا ينقص متأثرا بأي تعديل أو عدم تعديل يجري على الدستور والقوانين والتشريعات. وفي النهاية، يجب أن نواجه استحقاقات أساسية وبسيطة وبديهية ما نزال منذ 22 عاما نتجاهلها، وهي ببساطة أن الدول والأنظمة السياسية والاقتصادية تنشأ حول الموارد الأساسية، ثم تتشكل حولها مجتمعات ومدن وقرى وأندية رياضية وثقافية وصحافة ومسرحيات ومدارس وجامعات وأسواق وأطعمة وملابس وموسيقى وفنون وأحزاب سياسية. وكلنا الأردن، ولكن ذلك كله من غير موارد أساسية محمية ومتجددة ومتزايدة وتدار بكفاءة وأمانة وتوزع بعدالة، مثل قبض الريح!
أتذكر في الموسم الوحيد الذي تابعته في حياتي لبطولة كأس العالم العام 1986، مدفوعا غصبا عني من زملائي وأصدقائي في السعودية، حيث تكون معزولا مثل الأجرب إذا لم تكن تتابع كرة القدم وتشارك فيها، أن الكاميرون غلبت الأرجنتين، ولكن الأرجنتين في النهاية حازت على كأس العالم. وما تعلمته من كرة القدم (بالإضافة إلى اكتشاف جميل ومؤثر دلني عليه شادي الطفل في الرابعة من عمره عندما كنا وحدنا لا نشارك في لعبة كرة القدم، وهو أن الشمس لا تستطيع الخروج في الليل، ولكن القمر يستطيع، لأن أمه تسمح له، ولكنها لا تسمح للشمس)، أن معركة ما مهما كانت قاسية ومؤلمة ومدمرة ليست كل شيء، ففي النهاية هناك محصلة لمنظومة كبيرة من الإنجازات والأعمال والمواقف والأحداث والدوافع والنوايا والمصالح، الصغيرة والكبيرة. وهكذا فإن الكازينو وسواه من القضايا جزء في سلسلة طويلة، فاللعبة أعقد من ذلك بكثير، وإذا انتصرت الحكومة في هذه المواجهة فأمامها سلسلة طويلة من المواجهات. ويمكن للسادة النواب أن يواصلوا الرقابة والمساءلة، فالرحلة طويلة، وتحتاج إلى نفس طويل. وفي النهاية فإن الديمقراطية مليئة بالعيوب، ولكن لا يوجد أفضل منها.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد