لا يمكن تصور الإصلاح من غير وجود قوى إيجابية تحرك المدن والسوق وتنظمها، وتنشئ علاقة إيجابية معها، وتشارك/ تنافس/ تواجه السلطة والمجتمعات، وتعيد معا (المدن والأسواق والسلطة) إنشاء قواعد عادلة ومتفق عليها لتنظيم القوة والتأثير والنفوذ. فلا يقدر على الإصلاح من لا يملك القوة والتأثير؛ والإصلاح في حقيقته وجوهره إعادة توزيع الموارد والتأثير والقوة. وليس الإصلاح مطالب وعرائض واستجداء لدى السلطة والشركات، ولا يكون إصلاحا إلا إذا كان حيلة أو وسيلة مموهة لامتلاك القوة والتأثير. وبالطبع فإنها حيلة واهمة وانسحابية وخائبة، وإذا لم تفهم المجتمعات والدولة الحراك الناشئ وكل حراك اجتماعي وسياسي في التاريخ والجغرافيا، على أنه تنافس وضغط لإعادة توزيع التأثير، فهي تتسلى وتضيع وقتها. السلطة طبعا تفهم ذلك، ولكن المجتمعات بحاجة إلى أن تدرك ذلك بوضوح وبساطة.
ولذلك، فإن النظر إلى مبتدأ الخلل في ملاحظة علاقات القوة والتأثير والتنافس في المدن والأسواق. ويبدأ الإصلاح بالتحرر من المعادلة المفروضة على علاقة الناس بالمدن والأسواق.
الناس في عمان والمدن الجديدة.. قسم من أقسامها، لا علاقة لهم بها، لا يشاركون بشيء في الولاية والتخطيط لاحتياجاتهم وخدماتهم، بل ولا علاقة لهم بأبنائهم الذين يذهبون إلى مدارس غريبة عليهم وعلى آبائهم، ينشؤون بلا تواصل ولا انتماء تقليدي للمجتمع والمدينة والأعمال والمهن، ولا مشاركة حقيقية في الولاية والتخطيط، ولا يملكون شيئا مما تواضعت عليه كل المدن والمجتمعات حتى الفقيرة منها، مثل الخدمات الأساسية والرعائية، والسلع، والمدارس والمساجد والكنائس والمكتبات والحدائق والأندية والساحات العامة والحارات والأرصفة.
الأحياء والبيوت والشوارع مخططة لتمنع ذلك، وعلى نحو استعدائي مع الناس، يجعلهم في غربة وخوف. والأسواق تقام بعيدا عن احتياجات الناس وتطلعاتهم وأسلوب حياتهم، ولكنها تفرض عليهم في تخطيطها واختيارها، بل وفي السلع المعروضة فيها على نحو لا علاقة له بما يريدون ويحتاجون.. والسوق تخطط لك وليس أنت الذي تخطط لها؛ تختار لك الطعام واللباس وقصة الشعر والألوان والتصاميم.. والذوق والغضب والرضا، ولا مجال لك للاختيار.
في الأردن، وربما في الأردن فقط، تمارس السوق دورا سلطويا قاسيا على الناس. وفي الأردن، وربما في الأردن فقط، السوق هي أداة الهيمنة والتهديد. والنقابات المهنية والعمالية، خلافا للتاريخ والجغرافيا، ملحقة بأصحاب العمل، والسلطة تواجه النقابات والمجتمعات لصالح الشركات، وأنت تحت رحمة السوق لتحصل على الخبز أو الغاز أو الماء أو الكهرباء أو الوقود، وأنت تحت تسلط شركات التأمين والبنوك والاتصالات والمدارس الخاصة.. أنت لا تملك سوى معارضة سياسية لا أهمية ولا قيمة لها في الحقيقة، ولا تملك لأزمتك الكبرى سوى حل سياسي لا يفيد شيئا. لا تقدم لك الحكومة سوى وزارة للتنمية السياسية وحرية في تشكيل الأحزاب السياسية! ولكن النضال لأجل حياتك الحقيقية ومصيرك الذي يخصك يبدو مثل متاهة! 
متاهة اجتماعية وسياسية تعكس المدن والمجتمعات والأسواق المشكّلة على أساس "المتاهة".

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد