عزوف قادة الأعمال التجارية والاقتصادية عن المشاركة في الحياة السياسية العلنية، وفي الأحزاب والانتخابات النيابية والعمل المجتمعي، لا يؤشر على سلبية وانسحاب كما يبدو في الظاهر، ولكنه يؤكد وجود قنوات تحالف سرية وغير واضحة وغير قانونية. وذلك يعني، ببساطة، أن هناك حلقة مغلقة في العملية السياسية والإصلاحية، سوف تجعل كل التشريعات والانتخابات والديمقراطية هباء منثورا، لأنه -وببساطة أيضاً- لا قيمة للديمقراطية والانتخابات والتشريعات إذا لم ترتبط بها المصالح الاقتصادية والمهنية والحياتية؛ بمعنى أنه إذا كانت العقود والعطاءات والتوريدات والإعفاءات والتسهيلات والسياسات المالية والضريبية تدار وتنظم على نحو لا يتأثر بالانتخابات النيابية والعامة، فهذا يعني أن الانتخابات والديمقراطية برمتها مجرد زينة غير ضارة، فلا قيمة للحياة والاختلافات والجدل السياسي إلا في كونها تعبيرا عن التنافس/ الصراع/ العلاقات/ التحالفات بين القوى والطبقات والمصالح السياسية والاقتصادية.
فإذا لم يجد المتضررون من قانون الضريبة، أو الشركات المتضررة من آليات توريد وتوزيع الأدوية على المستشفيات ووزارة الصحة، والمقاولون غير المتاح لهم التنافس والحصول على جزء من عقود المؤسسات الحكومية، والتجار والموزعون غير القادرين على المشاركة في السوق بسبب الهيمنة والانحياز.. إذا لم يجدوا فرصتهم في تعزيز قدراتهم وفرصهم من خلال الديمقراطية، فهذا يعني ببساطة أن المصالح والفرص تدار وفق آليات فاسدة وغير قانونية. وإذا لم يجد أصحاب الصناعات والأعمال والمستوردون فرصتهم في تحسين مواردهم من خلال تعزيز أدوات عمل المواصفات والمقاييس والجودة والنوعية الأفضل، وإذا لم تكن مصالح التجار في إدارة حازمة وعادلة للجمارك والضرائب؛ بغير ذلك فلا مجال لحياة سياسية نشطة وحقيقية وذات جدوى ومعنى.
وفي المقابل، فإن تعزيز الأعمال والمصالح الاقتصادية والتجارية من خلال الديمقراطية والإصلاح السياسي، يطور الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، وتنفتح متوالية هائلة وعملاقة من الإصلاح والتطور. وسوف تزدهر الموارد والأعمال بالتنافس والتنظيم العادل، وتنمو الأحزاب السياسية باعتبارها أداة لتطوير الحياة والمصالح الاقتصادية والحياتية للناس، وترتبط فرص ومصالح التجار ورجال الأعمال بالعلاقة مع المجتمعات، فتزيد مساهماتهم في البرامج والأعمال الثقافية والاجتماعية، وتتشكل قيادات اجتماعية مرتبطة بالناس وبالمصالح الاقتصادية أيضا.
تبدأ الحياة السياسية الإصلاحية بالتشكل عندما يدرك قادة البنوك والشركات والأعمال والمهن والمؤسسات التجارية والخدمية والاستثمارية أن مصالحهم وفرصهم تحميها وتعززها العدالة والديمقراطية، وعلاقتهم الطيبة بالمجتمعات والناس، وليس التحالفات والعلاقات الفاسدة والمريبة مع قادة السلطة التنفيذية. وفي هذه الحالة فقط تتحول الأحزاب السياسية إلى كيانات وبرامج حقيقية، تملك قواعد اجتماعية، وقيادات حيوية، وموارد كافية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد