بافلوف؛ إيفان بتروفيتش بافلوف، تنسب إليه العلاقة الشرطية بين قرع الجرس ولعاب الكلب، عندما تعود الكلب أن يقدم له الطعام مع قرع الجرس. هي دراسات علمية في الطب والسلوك العصبي، وقد حاز بافلوف على جائزة نوبل في الطب العام 1904. ولكنها فكرة أخذت بعدا إعلاميا واسعا بعيدا عن الطب، وربما تكون تطبيقاتها السياسية والاجتماعية أكثر من العلمية.
النظرية السياسية "العكس بافلوفية" تقوم على أن اللعاب يُحضر الطعام ويقرع الجرس أيضا. ولذلك، فإن الحكومات تسيل لعاب المجتمعات للإصلاح، معتقدة أن ذلك ينشئ الإصلاح؛ لا بد أن ينشئه، تفاءلوا بالإصلاح تجدوه. أو موهمة الناس بأن الإصلاح قد تحقق بالفعل؛ الإيحاء بالشيء، وربما الشبع والاكتفاء.
طبعا، لن يشبع أحد من قرع الجرس، ولكن بمراقبة سلوك الحكومات لدينا (الحكومة الطبقة والحكومة المؤسسة)، فإنها تبدو تستخدم مبدأ البافلوفية معكوسا، إلى درجة أنها صارت تعتقد أنه الإصلاح بالفعل، مثل حكاية أشعب في التراث العربي. فهذا الرجل الظريف كان يشاغب على الناس، ولكن الأطفال كانوا يزعجونه ويشاكسونه، وفي يوم تجمعوا حوله وصاروا يضايقونه، فقال لهم: ماذا تفعلون هنا؟ يوجد عرس في بيت فلان. فذهب الأطفال يركضون إلى البيت المذكور، فقال أشعب في نفسه: ربما يكون هناك عرس بالفعل، وركض خلف الاطفال إلى العرس المتوقع/ الموهوم/ المحلوم به. وأتذكر أن ابني جهاد عندما كان عمره 3 سنوات، اكتشف أن الضيوف يأتون عندما يقرع الجرس، واكتشف أيضا أن جرس البيت يمكن أن يقرع من الداخل ومن الخارج، فصار يقرع الجرس ويركض إلى الباب ليفتحه ويحضر الضيوف، معتقدا أن الجرس هو الذي يحضر الضيوف... أعتقد أن السياسة تدار بهذه الطريقة "العكس بافلوفية"؛ المسؤولون يعتقدون، على سبيل المثال، أن التصريحات الإعلامية عن التعليم أو التأمين الصحي يمكن أن تنشئ مستشفيات متقدمة، وأن تصلح زجاج المدارس المكسور! وتحل أزمة المياه والطاقة! 
وفي أحيان كثيرة، تلجأ الحكومة بغير مناسبة، لقلة الحيلة ربما أو للمتعة والتسلية، إلى إنشاء قضية إعلامية كبرى تشغل الناس، وبخاصة في مجال العلاقة بكل تجلياتها (الصراع والتنافس والتواطؤ والتعاون) مع الإخوان المسلمين، ربما لأنها معركة ممتعة ومثيرة، ويمكن تحريكها بسهولة. ويصدق الإخوان المسلمون أيضا المسرحية ويخوضون فيها، وهم يعرفون أنها مسرحية للتسلية والإثارة. ثم يُقبل المراسلون الصحفيون والإعلاميون والكتاب والمحللون والخبراء المتخصصون بالجماعات الإسلامية والسياسيون الناشطون والمتقاعدون على الكتابة والحوار والتصريحات والتحليلات، وتجري لقاءات وأسئلة، والإخوان أنفسهم يعقدون اجتماعات للتشاور حول الموضوع الذي هو من أصله غير موجود (تقريبا). أحدهم سرب إلى صحيفة أسبوعية مهجورة أنه مرشح لمنصب مهم، ثم نقلت الخبر (لم يكن نقل الخبر عفويا بريئا في الغالب) صحف ومواقع عدة مهجورة. أصدقاء المواطن اتصلوا به بخبث، غالبا لتنشيط المسرحية، وسافر المواطن إلى الخارج، ولكن الأصدقاء اتصلوا به في الخارج وأقنعوه بضرورة التواجد في عمان، فقطع رحلته وعاد.. وبالطبع فقد أضاع على نفسه الرحلة، ولم يضع المنصب، وكيف يضيع وهو لم يكن موجودا في الأصل؟ هل أضاع أحد (في غير السياسة طبعا) دينارا لم يكن موجودا؟

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد