كان عنوان البرنامج الانتخابي للرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، "الناس أولا". وأعتقد أنها فكرة ممكنة الاقتباس في كل إصلاح تعتزمه الدول والمجتمعات. ولست أعني فقط أن يكون الناس (المجتمعات) هم الهدف والموضوع الرئيس للعمل والإصلاح، ولكني أعني أيضا أن الإصلاح يبدأ بالناس، وينطلق من المجتمعات. وإذا لم يكن لدى المجتمعات وعي كامل بأولوياتها واحتياجاتها، وإذا لم تملك المجتمعات كيانات اجتماعية ومؤسسية تدير احتياجاتها وتعبر عنها، وإذا لم تكن المجتمعات شريكة في المسؤولية والعمل والولاية والتخطيط، فلا قيمة كبيرة للانتخابات النيابية والأحزاب السياسية والبرامج الحكومية والاستثمارية، مهما كانت حقيقية وجادة ومخلصة!
يبدأ الإصلاح والتنمية بتشكل المدن والبلدات والمناطق والمحافظات حول احتياجاتها وأولوياتها؛ التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية والسكن والطعام واللباس والطاقة والماء والاتصالات والثقافة والفنون والرياضة والمرافق العامة؛ من الطرق والمباني والأرصفة والحدائق والمكتبات والأسواق والخدمات.. وأن تملك المجتمعات في كل مدينة أو بلدة أو منطقة وعيا تفصيليا ودقيقا بالخيارات والأفق والتحديات حول نفسها واحتياجاتها. ومن ثم، فإنها تسلك في الانتخابات المحلية والنيابية على النحو الذي تعتقد أنه يقرّبها من الأفكار والخيارات التي تؤمن بها لتحسين حياتها والارتقاء بمستواها المعيشي.
الغريب أنه رغم المدة الزمنية الطويلة التي مرت على الحراك الشعبي الإصلاحي، والرقم الكبير جدا للمظاهرات والاعتصامات والتجمعات، فإن هذه ما تزال متجهة إلى مطالبة الحكومة والمؤسسات، ولم تسأل نفسها ما المطلوب منها أيضا، ولم تسلك سلوكا عمليا في محاولة التجمع والضغط والمطالبة والتنسيق والمشاركة باتجاه ما تحتاج إليه.
ليست الديمقراطية مجرد انتخابات صحيحة، ولكنها محصلة تفاعل وجدل قائم على إدارة الموارد وتنظيمها وتنميتها باتجاه ما يرتقي بحياة الناس وتشكلهم حول مواردهم. وفي ذلك تقدم الأحزاب والكتل السياسية والاجتماعية المتقدمة للانتخابات أفكارا ورؤى لأجل توزيع الموارد، والعدالة الضريبية والاجتماعية، وتطوير حياة الناس، وتوفير وإدارة ما يعتقد الناس أنه ينقصهم ويحتاجون إليه.. فيجب أن يعتقدوا! وإذا لم يكن لدى الناس وعي وجدال حول ما ينقصهم وما أنجزوه بالفعل، فلن تنشأ جدالات سياسية وانتخابية، ولن تنشأ أيضا خيارات يصوّت الناس عليها.
الخطوة الأولى، ببساطة، هي أن يلتقي الناس؛ جميع الناس، في كل مدينة أو حي أو بلدة ليستمعوا إلى بعضهم، ويخلصوا في نهاية اللقاء إلى إدراك وتقدير للموارد المتاحة، والمطالب والأولويات، وما يمكنهم أن يفعلوه وما يحتاجون إليه وما يملكونه وما ينقصهم. ستكون في البداية فجوة واسعة بين الناس في تصوراتهم وأفكارهم، ولكنهم سوف يصلون في النهاية إلى تقدير وإدراك لما يتطلعون إليه، أو ما يجب أن يتطلعوا إليه، ومن ذلك تنشأ الكتل والأفكار، وتتعدد الخيارات فينحاز الناس إلى ما يعتقدون أنه يلائمهم!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد