وماذا تفعلون في أوقات الفراغ؟ نخرج إلى الملعب فنلعب". حوار شائك عصي على الفهم في الدرس الأول من كتاب القراءة للصف الثاني (1969). وهناك أيضا أطفال القرية الذين صاروا يلعبون في الحقول بعيدا عن الطريق.
"الأطفال الذين يلعبون".. كان يدهشني أن اللعب متقبل وأمر جيد كما يبدو في الكتاب، ولكنه كان لدى المعلمين الذين يعلموننا الدرس نفسه عملا بشعا، نتلقى بسببه عقوبات قاسية! والأهل أيضا كانوا يعتبرونه جريمة!.. كيف كان الأستاذ يعلمنا الدرس الذي يثني على اللعب أو يتقبله، وهو يعاقبنا على الفعل نفسه؟
وبما أني كنت آخذ الكتاب بجدية، وأتلقى من المعلم بقبول، وأسمع لأهلي باحترام؛ ولأن اللعب طبع راسخ وغريزي لدى الأطفال.. صرت ألعب وأشعر بالخطيئة وتعذيب الضمير.
ظل اللعب والضحك خطيئة أمارسها عندما أنسى أو أضعف أو أستدرج، ثم أحاسب نفسي عليها بقسوة! ويا للخسارة، فعندما اكتشف المعلمون والأهل، واكتشفت معهم أيضا أن اللعب والمرح شيء إيجابي وجميل، كان قد فات الأوان!
هناك شيء أغرب! في حصة الرياضة نلعب؛ يصبح اللعب واجبا قاسيا مثل حصة الإملاء والعلوم، وأتعرض للتوبيخ لأني في الملعب مثل "العمود"، لا أضر ولا أنفع.
ولكني تعلمت فيما بعد، بسبب فشلي في اللعب، درسا جميلا لعله من أجمل ما تعلمت في الحياة. ففي مدينة جدة، حيث كنت أدرس في جامعة الملك عبدالعزيز، كانت ممارسة كرة القدم فرض عين (تقريبا) في أيام العطل وفي الرحلات وفي الطلعات الى الشاطئ أو البرّ. كنت أجلس وحدي والشباب يلعبون. ولم يعد ذلك محزنا بالطبع، على العكس؛ فقد كان فرصة للراحة والتأمل والمراقبة.
في إحدى المرات، انخرط الشباب جميعهم في لعب الكرة، وبقيت أنا وشادي الذي عمره 4 سنوات، وكان يرافق أخاه الأكبر زميلنا في الجامعة. تعلمت من شادي درسا مفيدا وجميلا أتذكره دائما.
فقد بدأ النهار يرحل. كانت الشمس تغرق في البحر، والقمر يطل متسللا من وراء الجبال. سألت شادي: لماذا تغيب الشمس في الليل ويأتي القمر؟ قال: الشمس لا تسمح لها أمها بالبقاء حتى الليل، فتذهب إلى بيتها، والقمر تسمح له أمه بالخروج في الليل!
وما أزال مدينا لشادي بهذا التفسير الجميل والعميق لحركة الكون والليل والنهار.. ومدين أيضا لعدم قدرتي على اللعب، لأني لو كنت مشاركا في المباراة لما تعلمت هذا الدرس الجميل!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد