كان المعلم مستغرقا في التأمل، وشعر فجأة بأنه مهدد؛ فالتفت حوله ولم ير سوى مرافقه الصبي الصغير يتبعه حاملا سيفه. وشعر المعلم بحيرة كونه لم يستطع أن يحدد مصدر التهديد الذي شعر به، وهو الذي اكتسب بعد مران طويل حاسة إدراك الخطر. وصارت الحادثة فكرة متداولة بأن المعلم شعر بخطر ما، وأن أحدا هدده. ومضت مدة من الزمان وجميع من حوله خائف منه حذر، حتى اعترف المرافق الصغير، بعد أيام، بأنه خطر له خاطر بأنه قادر على طعن المعلم من الخلف بدون أن يستطيع فعل شيء.
لقد أصبح "الزِّن" مفهوما واسع الانتشار، برغم أنها كلمة تحتاج إلى توضيح. ويحاول الكاتب العربي تجنبها بسبب المفهوم العربي للكلمة نفسها. و"الزّن" هو اتجاه في البوذية، نشأ في الصين في القرن السادس الميلادي وانتشر في اليابان على نطاق واسع، ويعني: نوعا من التركيز والتأمل.
تعلم "الزن" وتطبيقه يمنح صاحبه القدرة على فهم الذات والانسجام معها، كما الانسجام مع الكون والبيئة والاندماج في المجتمع. ولكنه يمكن -وهذا ما يحدث غالبا- أن يمنح معرفة بالناس، وفهما لهم يزيدك حزنا. فبـ"الزن" تدرك ما لا يريدون قوله أو إظهاره، ولا يعرفون أنك تعرف.
وفي بحثك عن السعادة، تحاول أن تتعرف على نفسك، وأن تدرك فيها اللاشعور/ اللاوعي/ العقل الباطن. هذا الوعي يرتقي بنفسك، ويساعدك على التخلص من كثير من العيوب والخواء، ولكنك تدخل في دوامة من العزلة والتعاسة، لأنك تجد نفسك لا إراديا تكتشف العقل الباطن واللاوعي لدى الآخرين؛ فتدرك ما وراء مجاملاتهم وابتساماتهم من الكراهية والحسد والنرجسية المفرطة، والخواء وتفاهة المحتوى وضحالة الرصيد الروحي والفكري، وهشاشة الثقة بالذات والثقة بالآخرين، والقلق المرضي على كل أشيائهم الصغيرة، والهاجس الطفولي بالاستيلاء على كل ما لديك وحرمانك من كل شيء، والرغبة الجارفة في امتلاك الأشياء حتى من غير حاجة لها! والأسوأ من ذلك كله عندما يخافون أن تعرف أسرارهم الصغيرة التي تكاد تفضح نفسها، ويحسبونها مستورة أو يمكن سترها، أو يسعفهم ذكاؤهم لأجل حمايتها بإيذائك؛ فتصبح هدفا لأذى الناس بلا إرادة منك ولا ذنب، سوى الخوف والقلق من أنك تعرف، أو يمكن أن تعرف!
الحل  يبدو، بداهة، بأن تتخلص من معرفتك وملكتك هذه، كما تخلص الذين حصلوا على طاقية الإخفاء منها لأنها جلبت عليهم اللعنة والكراهية. ولكنك تحتاج الى قدر إضافي وجديد من المعرفة والذكاء، يساعدك على أن تثبت للآخرين أنك بليد ولا تعرف؛ ابتسم، هزّ رأسك للمحدثين، درب جسدك على لغة البلاهة، ولا تجعله يشع بالمعرفة واختراق الآخرين!
وبالطبع، فهذه فكرة ساخرة لا يقصد من عرضها الدعوة إليها؛ إذ إن السعادة دائما في المعرفة والتفكير الصحيح الناقد، والقدرة على فهم الأشياء والظواهر وإدراكها وتحليلها، مهما كان في ذلك من جهد ومعاناة!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد