كم من الجدران ينبغي أن نضرب رؤوسنا بها لكي نستوعب لماذا يطالب مجلس النواب من جديد بالعودة إلى قانون الصوت الواحد في الانتخابات القادمة، مع إضافة باهتة لحوالي 17 مقعدا في قائمة وطنية فقط لمجرد التباهي الديمقراطي ؟ هل يعقل أن لا يكون مجلس النواب قادرا على استيعاب حجم التغيير والرفض الذي يحدث في الأردن لكافة التوجهات السابقة في قانون الانتخاب؟.

قبل أشهر كنت لا أزال أعتقد بان مجلس النواب الحالي يمتلك قدرا من العقلانية والشعور بالمسؤولية الوطنية لكي يحق له مناقشة التشريعات الإصلاحية وأهمها قانون الانتخاب. اليوم أعتذر تماما عن هذا الموقف لكافة القراء لأن الواقع يؤكد أنه باستثناء عدد قد لا يتجاوز 15-20 نائبا فإن كافة أعضاء مجلس النواب يفكرون في مرجعية واحدة فقط عند مناقشة قانون الانتخاب وهي “كيف سأعود إلى البرلمان من جديد وما هو القانون الذي يساعدني في ذلك”؟ .

نص قانون الانتخاب الذي اقرته اللجنة القانونية لمجلس النواب هو إهانة ليس فقط لكافة القوى التي خرجت إلى الشارع طوال السنة ونصف الماضية بل ايضا إهانة لكافة التيارات والنشطاء السياسيين الذين آمنوا حقا بالإصلاح وإرادة التغيير في الأردن وإذا بنا نعود مرة أخرى إلى نقطة الصفر بل ربما ما هو أقل من ذلك لأن حجم الغضب أكبر والجرأة في رفع الشعارات أعلى بكثير ومثل هذا القانون سيعطي مبررا للمزيد من التصعيد من قبل المعارضة.

رمى مجلس النواب بعرض الحائط كل الجهود التي تمت في الأشهر الماضية للوصول إلى قانون انتخاب منطقي وممثل للرأي العام ومنها توصيات لجنة الحوار الوطني التي تم إنشاؤها لامتصاص تداعيات 24 آذار ثم التخلي عنها بعد انتهاء دورها وكذلك لكافة الفعاليات والتيارات التي استمع لها مجلس النواب في حواراته التي يبدو أنها كانت تهدف إلى إضاعة الوقت لا أكثر. ما حدث ببساطة هو استهبال للناس، وإعادة لقانون الصوت الواحد على طريقة وين ذانك يا جحا، بعد أن بقي جحا الإصلاح في الأردن سنة ونصف يدور حول نفسه بحثا عن الأذن الثانية.

نؤمن جميعا بأننا بحاجة إلى إجراء انتخابات نيابية قبل نهاية العام من أجل تخفيف التوتر الناجم عن انسداد الأفق السياسي، خاصة في حال كانت هذه الانتخابات تهدف إلى تهيئة الظروف لتشكيل حكومات أغلبية نيابية. ولكن هذا لا يعني القبول بانتخابات ضمن سياق اي قانون لأن قانون الانتخابات بالذات هو الذي يحدد التوجه الفعلي للدولة. إما أن يكون قانون الانتخابات استعادة للصوت الواحد وبالتالي الإبقاء على حالة الفساد والابتزاز التي تحكم المشهد السياسي الأردني أو قانون انتخاب يتيح تشكيل قوائم انتخابية وحزبية تتنافس من أجل الحصول على أغلبية نيابية تسمح بتشكيل الحكومات.

قانون الصوت الواحد يعني نسف وتدمير كل الجهود التي بذلت من أجل الإصلاح في الفترة الماضية، والقضاء على مصداقية اية طروحات للدولة حول الإصلاح، وتقديم ذخيرة سياسية غير مسبوقة لكافة التيارات المتطرفة في المعارضة والحراك الشعبي لرفع سقوف شعاراتها إلى حدود أعلى وسحب اية أوراق يمكن أن يستخدمها التيار المنادي بالإصلاح التدريجي من ضمن الأطر الدستورية للدولة. أن إقرار مثل هذا القانون هو خطأ بحق الأردن وضربة قاضية قد تغير كل المعادلات نحو المزيد من الاستقطاب والتطرف في الأردن وهذا لن يخدم أحدا.

معركة قانون الانتخابات هي معركة الجميع الآن وخاصة أصحاب رؤية الإصلاح السلمي الدستوري وإذا خسرناها الآن سوف يتم تسليم رقابنا لمراكز القوى التي تتحكم بالقرار مقابل فئات المعارضة والحراك المتطرفة. لا يمكن ابدا القبول بالصوت الواحد حتى لو تم حل البرلمان نهائيا وتعديل الدستور من جديد لمنح الفرصة لإقرار قانون انتخاب توافقي مؤقت من خلال لجنة تمثل كافة التيارات السياسية في البلاد يتيح المجال لتكتلات حزبية نيابية تتمكن من تشكيل الحكومات تماما كما هو مطروح من قبل الدولة.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  باتر محمد علي وردم   جريدة الدستور