سافرت في زيارتي الأولى إلى تركيا قبل ايام، حاملا الكثير من التصورات الإيجابية حول تطور الدولة التركية في السنوات الماضية، وباحثا عن إجابة للسؤال الذي نريد جميعا أن نعرف تفاصيله، وهو لماذا تقدمت تركيا نحو المستقبل وبقيت الدول العربية اسيرة الماضي أو الحاضر في أحسن حال؟
ومع أن زيارة العمل الضيقة منحتني فقط بضع ساعات للتجوال في إسطنبول فقد كانت كافية للوصول إلى إجابة قد تكون جزئية وغير مكتملة ولكنها صحيحة بدون أدنى شك ومفادها النظام واحترام القانون. في إسطنبول بنية تحتية هائلة ومتطورة تخدم 13 مليون مواطن ومعهم حوالي 3-4 مليون سائح في الصيف يتدفقون بشكل سلس وهادئ في كافة مناطق وشوارع إسطنبول ضمن نظام مواصلات عامة ومواصلات خاصة متكامل. وهنالك احترام شديد للنظافة العامة والذوق العام، حيث لا يمكن أن تجد تركيا أو سائحا يقذف القمامة من شباك سيارته أو على الشارع وهو يمشي ولن تجد أحدا يقوم بتكسير صناديق الحصول على تذاكر الترام المليئة بالنقود ولن تجد أحدا يرسم على الحائط “لتشييك مزارعكم” باللغة التركية أو جملة “بشكتاش الزعيم
أو “فنار بخشة وبس والباقي خس”. أما الحرية الشخصية فهي مصانة تماما حيث لا يتدخل أحد بنوعية اللباس ولا توجد اية معاكسات في الشوارع، والتي تتميز بحس عال من الجمال حتى أن الورود التي يتم زرعها في كل مكان تبقى في مواقعها ولا يتم قطفها من قبل الناس
الشعب التركي شعب مسلم مثلنا، لديه طبائع حادة وعاطفية مثلنا، ولكنه اصبح اكثر قربا من الأوروبيين في النظام والترتيب والتخطيط السليم فكيف حدث هذا التحول؟ الأشخاص المؤمنون بالعلمانية سيقولون أن السبب هو التوجه العلماني للدولة، والأشخاص المتعاطفون مع الإسلام السياسي سيقولون السبب هو حزب العدالة والتنمية وخاصة إدارة رجب طيب أردوغان عندما كان رئيسا لبلدية إسطنبول ومن ثم رئيسا للوزراء في تركيا والتي تميزت بمحاربة الفساد والفعالية في الإنجاز.
أعتقد أن الجواب الحقيقي هو مزيج من السببين. التوجه العلماني ساعد في القضاء على ظواهر التعصب وادعاء امتلاك الحقيقة ومحاولات فرض توجهات معينة على السلوك الاجتماعي وكذلك احترام القانون العام، وفي نفس الوقت فإن نجاح حزب العدالة والتنمية في تطبيق الأخلاق الإدارية الإسلامية (النزاهة، الكفاءة) كان أهم بكثير من فرض انماط اللباس فكان نجاح تركيا الاقتصادي باهرا وبات الأتراك الآن ينظرون بفخر إلى أنفسهم بل سعداء بعدم الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي والنجاة من دوامة التراجع الاقتصادي التي أصابت أوروبا.
كل هذا التماس مع التطور التركي يجعلنا كمسلمين نشعر بالسعادة ولكن كأردنيين نشعر بوجع في القلب، فلماذا لا يستطيع الأردن بكل موارده البشرية أن يتطور بالطريقة التي نجحت فيها تركيا؟ لماذا لا نستطيع في مدينة عدد سكانها 2 مليون أن ننشئ نظاما للنقل العام بينما ينجح الأتراك مع 20 مليون شخص؟ لماذا نصر على توسيخ مدينتنا وشوارعنا بالقمامة بينما يحرص الأتراك على نظافة مدينتهم؟ لماذا هم أفضل منا؟
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة باتر محمد علي وردم جريدة الدستور
login |