إذا كنا متفقين من حيث المبدأ، أن فصل الشتاء بأمطاره وعواصفه وضبابه ورعوده ليس حدثا طارئا على مناخ المنطقة المتوسطي، حيث من الطبيعي والمألوف جدا سقوط الثلج مرات عديدة في الفصل ذاته. إذا سلمنا بهذه البديهية البسيطة، يصبح تعاطينا الهستيري مع تقلبات الطقس مثيرا للعجب والحيرة. إذ ثمة حالة هلع قصوى وعجقة وارتباك تكتسح المملكة على كل الأصعدة، من حيث استنفار أجهزة الدولة ومرافقها الخدماتية، يصاحبها خطاب إعلامي ترويجي تبريري في معظمه، يبالغ في التهليل للجهود الرسمية المبذولة لغايات تسهيل شؤون المواطنين، ويجتهد في التركيز على مبررات الإخفاق والتقصير اللوجستية التي تحصل حكما.
ويفرط على نحو خاص مقدمو برامج البث المباشر التي تمتد عبر النهار بطوله لدى الإذاعات الرسمية والخاصة على حد سواء في خطاب تعبوي مبالغ في علو وتيرته، ويبالغ المتصلون بهذه البرامج في الشكوى والتذمر أو في الثناء والمديح لما يسمى بالجهود الجبارة، علما أن الحكومة وكوادرها الفنية تقوم بواجبها الطبيعي والمفترض في مثل هذه الأحوال، حيث تتكشف الصورة للأسف كل شتاء عن عدم جاهزية وقدرة فنية كافية للتصدي لظروف جوية باتت متوقعة جدا، ليس ذلك فحسب، ففي حين أمضينا جل أيام هذا الشتاء في التباكي والتحسر والاستسقاء من اجل زخات تجود بها السماء فتسقي العطاش وتبلل عروق الأرض اليابسة، نتصرف كمن بوغت بحدث غير متوقع وغير مرجو، بل ومثير للإزعاج أيضا!.
ونعبر عن ضيق ونزق وقلة صبر في كل مناسبة، يتجلى ذلك حتما في السلوك المروري الفج الذي أصبح علامة فارقة في شوارعنا حيث الجميع يريد إن يصل الى بغيته، ويتهافت الناس على المخابز والمحال التجارية كما لو كنا بصدد مجاعة او بيات شتوي سيمتد لأشهر وليس لساعات معدودات، وسوف يختلط الأمر على مراقب محايد وقد يظن قياسا إلى حالة الانهماك الرسمي والشعبي أن ثمة زلزالا بقياس مليون ريختر سوف يضرب المكان لا قدر الله، والى جولة في بيوت الاردنيين ستجد اعداد اطباق الحلوى على أشدها، والتوتر الغذائي ذو الطبيعة الكربوهيدراتية قد بلغ أقصاه، والتذمر غير المسموع لرب الأسرة جراء الإسراف في الاستخدام غير المسؤول لوسائل التدفئة من قبل الأولاد غير العابئين بارتفاع
أسعار المحروقات التي تحرق الضلوع، والتكاتف الأسري حول شاشة التلفزيون. وتدور نزاعات حول من يتصدى لتنظيف الصحون اللاقطة من الثلوج المتراكمة باعتبارها مهمة شديدة الصعوبة تستحق أعلى تقدير من اسر لا يجمعها أي مشتركات حقيقية في كثير من الأحيان إلا التحديق في شاشة صماء.
وإذا توفر في البناية عامل وافد يضطلع بمهمة تنظيف المدخل وتوفير ممر امن بين الثلوج يوصل إلى اقرب مخبز وبقالة تكون العائلة انتهت من عبء كبير، ما عدا ذلك سوف ننتظر في غرف جلوسنا وأمام التلفزيونات فرج الله وآليات البلديات والدفاع المدني أو نتسمر خلف النوافذ نراقب ذوبان الثلج كي نتمكن من مواصلة حياتنا المعطلة بقرار حكومي وشخصي، وفي جميع الأحوال وانسجاما مع عرف وتقليد مارسناه منذ سنوات طوال: لا مناص من حبس ومن مسرحيات مصرية حفظناها عن ظهر قلب لفرط التكرار! وإذا صحت تقديرات الجهات الحكومية المعنية حول حجم الخسائر اثر تراكم الثلوج التي فاقت الـ90 مليون دينار، يصبح السؤال مشروعا حول جدوى هذه الفرحة الوطنية الكبرى، ولا بد من تحديد موقف أكثر وضوحا خالٍ من اللبس والغموض فيما إذا كنا على قدر تبعاتها كي نحرص في صلواتنا المقبلة على عدم الاصرار على الكثير منه !!ا علينا كذلك إن نعيد النظر حكومة وأفرادا في أسلوب تفاعلنا مع الأحداث لعلنا نتخلص ولو بشكل تدريجي من عقلية الفزعة التي تتحكم في سلوكياتنا، ونبدأ في التعاطي بروية وهدوء مع ظروف جوية قابلة للتكرار. وكما تنصح شرطة السير السائقين بالمحافظة على مسافة أمان بين السيارات تحول دون وقوع تصادم بسبب الضباب والثلوج وانعدام الرؤية، لا بد من التركيز على مسافة أمان دائمة، في كافة مناحي حياتنا اليومية المعرضة بالضرورة إلى مستجدات، ولنكن اقل أنانية توترا وأكثر فعالية، ولنحاول أفرادا ومؤسسات التصرف بشكل ايجابي يصب في مصلحة المجموع، كي يستعيد الثلج مكانته الرومانسية الأولى كسبب إضافي للمتعة والجمال والى مزيد من البياض في القلوب التي تتقن بث الدفء في عز الصقيع.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد بسمة النسور