صدمة كبرى أحدثتها جريمة الجيزة في النفوس، تلك التي راحت ضحيتها الطفلة "هنود"، التي لم يتجاوز عمرها الطري تسع سنوات.
طالبة في الصف الخامس الابتدائي، تقول معلماتها إنها مجتهدة في دروسها، ويصفها الأهل بأنها بنت حلوة مؤدّبة، تربّت على طاعة الكبار واحترامهم.
انقصف عمرها، غير المديد، غيلة وغدرا، حين انتُهكت براءة روحها بوحشية غير مسبوقة، تأنف الضباع في البرية عن الإتيان بمثلها، ثم وأد القاتل الباغي حقها في الحياة، فأجهز عليها خنقاً قبل أن يلقيها جثة هامدة في قعر واد سحيق.
ويبقى الجزء الأكثر ترويعا والباعث على الاشمئزاز في الحكاية، أن القاتل السفاح هو ذاته شقيق "هنود" البالغ من العمر تسعة عشر عاما، والذي أفاد في التحقيق أنه اقترف ما اقترف بتحريض مباشر من الشيطان شخصياً!
وكانت الأم الموجوعة قد أوكلت له مهمة توصيل صغيرتها إلى المدرسة احتماءً به من شرور الغرباء، وحين سُئل عن علاقته بأم هنود، زوجة أبيه، أقرّ بأنها كانت تحنو عليه وتعامله بحب كما لو كان ابنها البيولوجي، فكان جزاء الإحسان، والحالة هذه، غدراً وخسةً ونكراناً!
وعلى ضوء فاجعة كهذه لا بدَّ لنا من إطلاق مليون جرس إنذار، علها تطرق أسماع الآباء والأمهات، وتحثّهم على بذل أقصى درجات الحيطة والحذر في سبيل حماية أرواح صغارهم، ولا بدّ من الاعتراف ابتداءً أن فئة المنحرفين هذه ممن لا يتورعون عن انتهاك براءة الأطفال موجودة في كل مكان.
والمفزع في هذه الفئة بالذات أنهم يبدون أشخاصاً طيبين مسالمين قادرين على اكتساب ثقة الأطفال بسهولة، واستدراجهم إلى حيث لا رجعة!
وأفادت التقارير الرسمية بأن 1400 حالة إساءة جنسية ارتُكبت بحق الأطفال خلال العام في الأردن.
من هنا بات ملحّاً التصدي لهذه الظاهرة المخيفة، أولاً من خلال الاعتراف بوجودها، وثانيا بضرورة التوعية الجنسية للأطفال بأسلوب واضح لا تشوبه غمغمة عن طبيعة ميول هذه الفئة المنحرفة من محبي الأطفال، وذلك من خلال إعادة النظر في وسائل التربية التقليدية، فليس مستحسناً أبداً أن يكون الطفل مطيعاً، يحترم من هم أكبر سناً على الدوام، ومن المهم أن يتربّى على الاعتزاز بذاته، والتعرف على ماهية جسده والحفاظ على خصوصية هذا الجسد كمسؤولية كبرى أمام نفسه.
ومن الأهمية بمكان ألا نضع ثقتنا المطلقة في أي كان، حين يتعلق الأمر بأطفالنا، ولنترك على سبيل الاحتياط حيزاً للريبة، لأن معظم حالات الاعتداء الجنسي على الأطفال، ترتكب من قبل أقرباء موثوق بهم، كما في حكاية الشهيدة هنود.
ولا بد من توفير رقابة صارمة على سلوك المراهقين المليئين بالفضول الجنسي حكماً، وهم القادرون على الوصول إلى مواقع إلكترونية غاية في الخطورة تشجع على أبشع أشكال الانحراف وأكثرها إثارة للتقزز، وتخصص مواقع قذرة توفر لهؤلاء ما يعزز انحرافاتهم.
ومن المهم كذلك أن تبادر وسائل الأعلام والجهات الأمنية المختصة إلى تنظيم حملات توعية جنسية، على غرار حملات التوعية المرورية، موجهة لهؤلاء الصغار، كي يتمكنوا من السير في طرقات هذه الحياة، بكل الأمان المتوقع والمفترض، وذلك أبسط حقوقهم علينا.
الوقت حان للخوض في الجانب المسكوت عنه بكل جرأة، ويعرف العاملون في هذا النوع من القضايا أن الكثير من هذه الجرائم المرتكبة بحق الطفولة، تتم لفلفتها لاعتبارات كثيرة، فيتنازل بعض الأهل عن الشكوى، حفاظا على سمعة العائلة، غير واعين للمخاطر النفسية شديدة الخطورة التي يواجهها الطفل المنتهكة براءته على المدى البعيد، والتي سوف تحوله في المستقبل إلى نموذج أشد بشاعة، يراكم في نفسه أحاسيس القهر والغضب والمذلة والرغبة في الانتقام، التي قد تنفجر في لحظة غير متوقعة، ليدفع الثمن الباهظ ضحية جديدة: طفل آخر يهم بالذهاب إلى المدرسة!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   تصنيف :بسمة النسور