تعهد احد عتاة المتسولين بترك مهنة التسول حال انتهائه من تشطيب البيت الذي يبنيه في إحدى ضواحي عمان الراقية، كما ضبط بحوزة متسول آخر دفتر حساب بنكي يفيد بأن رصيده في البنك بلغ مائة واثنين وأربعين ألف دينار غير خاضعة لضريبة الدخل!.
وثمة متسولة عجوز بلغت تركتها سبعين ألف دينار بالتمام والكمال. وهناك متسولات يمتلكن مجوهرات وهواتف خلوية حديثة، ولديهن مدراء أعمال وطاقم مساند من أطفال ومسنين، وكثيرا ما أوردت وسائل الأعلام تقارير إخبارية تتضمن العديد من الحكايات عن حالات مشابهة.
وتؤكد وزارة التنمية الاجتماعية أن الكثير من هؤلاء المتسولين هم في واقع الأمر رجال أعمال ميسورو الحال يمارسون أنشطة تجارية وعقارية ويمتلكون السيارات والأسهم ولديهم أرصدة ضخمة في البنوك،
وقد تأتّى لهم كل ذلك من دون بذل حبة عرق واحدة، ولكن جراء ابتذال ساحق للعزة والكرامة التي لا يغني عن انعدامها مال قارون شخصيا.
ويعرّف القانون مهنة التسول بأنه طلب المال عن طريق الاستجداء لجمعه بطريق سهلة وغير مجهدة وإقناع الذات بالاعتياد على هذا السلوك المهين، كما يرتب على التسول بكافة أشكاله الصريح والمبطن والموسمي عقوبات، المفترض أنها رادعة، تصل إلى الحبس مدة ثلاث سنوات وقد تصل الغرامة إلى ألف دينار، إضافة إلى وقف المعونة الوطنية لمن يقترف من مستحقيها جريمة التسول.
وللإنصاف فإن وزارة التنمية الاجتماعية تبذل جهودا كبيرة في برنامجها لمكافحة التسول من خلال حملات التوعية والتثقيف الموجهة للمواطنين لغايات توعيتهم بأهمية الكف عن التبرع لهؤلاء المحتالين. كما أنها تنظم حملات مداهمة مستمرة على أماكن تواجدهم وتعمل على انتزاع حق الحضانة من الأهل الذين يسخرون أولادهم من المعوقين والأصحاء لاستثمارهم في استدرار مشاعر الشفقة لدى الناس.
ويلاحظ في الآونة الأخيرة زيادة عدد المتسولين، وتنوع وسائل تسولهم، التي تأخذ أشكالا مختلفة، لكنها تصب جميعا في خانة الاحتيال، واستغفال المواطنين، ما يدفعهم إلى التصدق غالبا من باب التخلص من الحرج والإزعاج، وينشط هؤلاء في مواسم الأعياد على وجه الخصوص.
ولا تختلف هذه الوسيلة عن السرقة مع فارق بسيط، ففي حالة التسول نحن نتواطأ مع السارق ونتيح له سلب جيوبنا متوهمين أننا قمنا بفعل الخير، استنادا على ان الاعمال بالنيات، ما يؤكد المقولة الشهيرة بأن الطريق إلى الجحيم مرصوف بالنوايا الحسنة!
ويؤكد اختصاصيون اجتماعيون أن التسول في الأردن لم يعد مجرد ظاهرة اجتماعية مؤسفة، بل إنهم يصنفونها كجريمة منظمة باتت مزعجة ومقلقة في آن، لأنها لا تمارس على مستوى فردي فحسب، بل يقوم على تنظيم شؤونها مختصون في فنون النصب والاحتيال، يجندون الصغار وأحيانا كثيرة يجندون أبناءهم بعد أن يسرحوهم من المدارس إلى الشوارع، حيث باب الرزق وفرص الاستثمار والكسب السريع لهؤلاء المتبطلين الطفيليين المرتزقين جراء امتهان وتشويه فكرة الطفولة وتسخيرها في أبواب الرذيلة، إذ لا يخفى أن التسول هو بوابة مرعبة نحو ممارسة الدعارة، وتجارة المخدرات والعنف بكل أشكاله، وهو البيئة الأكثر خصوبة لولادة المجرمين والقتلة والشواذ، حيث لا رعاية ولا أمن ولا أمان، بل استغلال فاضح وصريح لأبرياء لم تنصفهم الحياة بعائلات سوية توفر لهم الحياة الكريمة التي يستحقون.
من هنا، لا بد من شن معركة شرسة تنخرط فيها سائر الجهات الرسمية والأهلية ويتدخل فيها المواطنون كحلفاء استراتيجيين في مواجهة هذه الفئة التي بغت واستكبرت وتمادت في غيها وعدوانها على أمان مجتمعنا، فضلا عن أنها عملت على تشويه صورة الوطن الذي تربى أبناؤه على مفردات الأنفة العزة والكرامة واحترام الذات والزهد بكل ما يحتمل شبهة المهانة وابتذال الذات.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد تصنيف :بسمة النسور