أغلق التلفزيون بعد ساعات من المتابعة، وقد امتلأ رأسي بصور الأشلاء الممزقة والرؤوس المقطوعة الملقاة على قارعة الطريق، كما لو كانت دمى بلاستكية ملّ أصحابها منها.
أتذكر بعضا من بنود اتفاقية حماية الطفل التي تنص على حق الأطفال في الغداء والكساء والدواء والتعلم، وتوفير الحماية من أشكال العنف كافة، كما تنص على حقه الطبيعي في الحياة!
نعم هكذا ببساطة! ولكن أين هي هذه الحياة؟ وكيف من الممكن اقتفاء أثرها، وقد ضاع معناها وامتهن في أزقة غزة وحاراتها؟
أتساءل بغيظ عن جدوى الأبحاث والندوات والورشات التي يعقدها مختصون لغايات تمكين المرأة، وتلح على البال جثة الأم هامدة، وطفل يحبو غافلا بالقرب من موتها، ولا أحد قادرا على تمكينها من النهوض لاحتضان صغيرها المذعور الجائع "البردان" وغير المدرك لسبب تخلي أمه المفاجئ عنه، وهي من عودته أن تهب إليه كلبؤة متفانية في أمومتها عند أول آه.
***
أدعو إلى عقد مؤتمر طارئ على مستوى القمة مع نفسي، وحين يتقاعس جزء كبير مني عن تلبية النداء العاجل، لأسباب تبدو لي واهية، أجد نفسي مضطرة لعقده بمن حضر! وأستقبل مندوبي الصحافة المحلية والعالمية، وأقرأ عليهم بياني الختامي الذي توصلت إليه بعد نزاعات شديدة دارت بيني وبيني، فيما فلاشات مئات الكاميرات تبرق في وجهي وتعمي بصري.
أتخذ قراري بضرورة قمع أحداث الشغب التي تحدث داخل روحي، وأبيح استخداما مفرطا للقوة في سبيل كبح جماحها، أهدّ خيمة اعتصامي فوق رأسي، وذلك كاحتجاج شديد اللهجة على ما بدر مني من انفلات!
ألقي في وجهي قنابل مسيلة للدموع المستعصية علها تنسكب بعد طول انجماد، أستعين بهراوات مصرح بها دوليا، وبخراطيم ماء ليس شديد النقاء كي أفرقني عن بعضي، لكن بلا جدوى: تتضافر في مواجهتي قوى الرفض الكامنة فيّ، وتحتشد وتوحد صفوفها وتتغاضى عن خلافاتها الأيدولوجية المستفحلة، حتى أنها تجمع على تعيين ناطق رسمي يخاطب باسمها وسائل الإعلام من عاصمة مجاورة، تتقدم نخبة مثقفة تمثل أقلية من مجموعي، بالتماس عقلاني اللهجة، يتسلمه مندوب الأمم المتحدة بتهذيب شديد، ولا يخفي تعاطفه إزاء الغطرسة والاستبداد التي تنجم عني، يعتذر بخجل عن عجزه عن ضبط تغولي، تتواصل مظاهراتي الجماهيرية الرافضة لنهجي، فيما تأمرني قوات مكافحة الشغب بالتفرق عن بعضي بهدوء!
***
مظاهرات عارمة، مسيرات حاشدة، اعتصام وحملات تضامن، شموع وبطانيات، كلمات مفرطة في حماستها، شعر مباشر بالغ الرداءة في كثير من الأحيان، أغان وطنية يؤديها فنانون ملتزمون لكن بمواهب متواضعة، ميالون بطبعهم للمباشرة غير معتمدين على مخيلة المتلقي، فيقدمون منجزهم الإبداعي مكتمل المواصفات النضالية، ويلمع نجمهم عاليا في أوقات كهذه، يظهر الشباب والصبايا وقد لفوا الأعناق بشماغات من كل الألوان والأطياف، تصريحات، تحليلات عسكرية، ومجادلات ومساجلات وتبادل اتهامات، إلا أن العيون كلها تبدو ميتة جوفاء تحدق في الفراغ هروبا من الإقرار بالعجز والخجل، لأن الكل في نهاية المطاف يعود إلى دفء بيته، وينام ليله الطويل، فيما صغار غزه ينامون في عراء "مربعنية" تفتك بالعظم لفرط برودتها، غير متأكدين إذا كان ثمة صبح سيطلع عليهم، دون أن يفقد أحد منهم أيا من أطرافه، أو أن تحتل صورة جثته المحترقة شاشات الفضائيات المتنازعة فيما بينها حول الصيغة الأمثل للتعريف به للسادة المشاهدين: قتيل أم ضحية أم شهيد!!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد تصنيف :بسمة النسور