النسخة السنغافورية من النخبوية هي، بشكل رئيس، نتاج فكر وتصورات "لي كوان"؛ ابن عائلة صينية ثرية، تعرّف على النظام الطبقي الإنجليزي، ودرس في جامعة كيمبريدج. كما اطلع على الإنتاج الفكري البريطاني والعالمي، وتأثر بفيلسوف التاريخ آرنولد جوزيف توينبي (1889–1957). وكان لي كوان –كما يذكر مايكل دي بار في كتابه "لي كوان يو: العقائد وراء الإنسان"، يعتقد بخصوصية الثقافة الصينية، ولا يستبعد أن يكون التفوق الصيني مرده إلى خصائص وراثية.
تركز النخبة السنغافورية على بناء صورة سنغافورة المتقدمة التي تحترم ذاتها، وتقف لأجل سيادتها وكرامتها في وجه الدول الأقوى منها. ولكن في أواخر الستينيات من القرن الماضي، بدأ العقد الاجتماعي بالانهيار، بسبب التحول البورجوازي الذي زحف على المجتمع السنغافوري. ولكن إزلاتكو سكربس ومايكل دي بار، مؤلفا كتاب "بناء سنغافورة: النخبوية والإثنية ومشروع بناء الأمة"، يعتقدان أن السبب الجوهري هو أن الحكومة التي أصبح يسيطر عليها لي كوان، بدأت باتخاذ مبادرات كسرت روح العقد الاجتماعي.
يحتوي بناء الأمة، كما يقول سكربس ودي بار، على بعدين متضافرين: البنى التحتية (المادية)، وبناء الانتماء لدى المجموعة الوطنية. وحين مُنحت سنغافورة حكما ذاتيا في العام 1959، رأى السنغافوريون أنه لا يمكن التغلب على التحديات القائمة إلا في إطار استيعابي، ضمن وحدة سياسية شاملة قائمة على شعب المالايا. ومع الاستقلال عن ماليزيا في العام 1965، لجأت الحكومة السنغافورية، في مواجهة الفقر وقلة الموارد وضعف البنى التحتية والمؤسسات وغياب التاريخ والأساطير، لملء هذه الفجوات، إلى طائفة غير متجانسة من الأسس الأيديولوجية لبناء الأمة: التشديد على الحداثة والتقدم على أساس التعددية العرقية وحكم الأكفأ. وهذه بذاتها أدوات ضعيفة لبناء أمة، فكان البديل هو النخبوية. وقد بزغت النخبوية بسرعة وقوة بوصفها المصدر الأساسي للحكومة.
وجد لي كوان مشروعية لأفكاره النخبوية في أعمال توينبي الذي يرى أن التقدم الاجتماعي يتوقف على الأقلية المبدعة التي تجسد التقدمية، وهي مستودع المبادرات الاجتماعية الإيجابية. وفي المقابل، هناك الأغلبية المجتمعية التي تفتقر إلى الإبداع والرؤية. ووفق هذا السيناريو، يصبح التقدم الاجتماعي وظيفة النخبة، مقترنا بمقدرة الجماهير على اتباع قادتها. لقد تحولت أفكار لي كوان النخبوية إلى انعكاس مباشر لرؤية توينبي.
تنزع المجتمعات الصينية السنغافورية إلى رؤية المجتمع بصفته سلسلة من العلاقات التراتبية، تتجلى في الكونفوشوسية الفلاحية والكلاسيكية: الإمبراطور والرعية؛ الأب والابن؛ الأخ الأكبر والأخ الأصغر؛ الزوج والزوجة؛ الصداقة. ويشاركهم المالاويون والهنود في احترام التراتبية وتعظيم العلم والثقافة. 
هذه التراتبية العلائقية والتعليم والثقافة، توافقت مع نخبوية لي كوان الغريزية. وسعت النخبة الى اختراق المجتمع والتواصل معه عبر سلسلة من النقابات والجمعيات المدنية لأجل مواجهة التوتر الطبقي، والحساسيات الإثنية والعرقية.
 

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد