لست واثقة من حالة الطقس لهذا الأربعاء، وهو اليوم الذي اختَرته عن سابقِ إصرار وتصميم وتَرصد، موعدا أسبوعيا ثابتا لصدور مقالتي، قلت لموسى برهومة وقتها إنه يومي المفضل، ليس فقط بحسب زعم خبراء الفلَك الذين يعتبرونه يوم السعد لزميلاتي وزملائي من مواليد برج الجوزاء، ولكنني أتَفاءل بهذا اليوم على نحو مجاني ليس له أسباب محددة.

أعرف أنني أستطيع الوقوف على حالة الطقس لأسبوعٍ مقبل على الأقل
وذلك بكبسة زر لو أردت، عليّ فقط متابعة نشرات الطقسِ طويلة الأمد المتوافرة في مواقع كثيرة، غير أني أتعمد أن لا أفعل، هي محاولة ساذجة من دون شك للتشبث بعنصر المفاجأة، الذي بات مفقودا في حياتنا المفتوحة على الانكشاف، حيث كل شيء متوقع ومفرط التكرار وخال من مبررات الدهشة ما جعَلَنا نفقدُ تلكَ القدرةَ النفسية العالية على التَوْق.
ما أعرفه جيداً أن ثمَة منخفضاً جوياً موعوداً، يشقُ طريقه بتمهل، أتأهب لذلك الشحوب الساحر الذي يعتري الدنيا منذ الصباح، بفعل زحف الغيمات المحتشدة بالوعد، أفكر في مقالتي، وأحلم أن أنجزها مصحوبة بقطراتِ المطر التي تضرب نافذتي وبصوتِ عفاف راضي الأخاذ الذي أعيد اكتشافهُ وهي تغني (للحلو الذي تبسَم للنبي) أقرأ عدَة سطور كتبْتها من قصة جديدة تحدثُ في رأسي، عنِ امرأة متعبة مثل سجادة عتيقة متدلية من شرفة رجُلٍ وحيد، أشطبها سريعا، وأقرر إعادة المحاولة في طقسٍ نفسيٍ أقل سوادا. أفتحُ نافذتي على اتِساعها، ألقي تحية الصباح على جارتي الزيتونة، وأتنبه أن أحداً لم يلَقط عنها حبَاتِها السَوداء المكتنزة بالخيرِ الوثير، تبدو مثقلة كامرأة داهمها عشقٌ مستحيل تضيق روحها به غير أنها لا ترتجي منه خلاصا، أعيدُ قراءةَ رسالة حزينة وردَتني من فتاة تريد حلاً: لا أرْغَبُ في أن أخذلك أيَتها الصغيرة، آلامُكِ التي تتوهمينها أكبرُ من الدنيا ليست أكثر من رذاذ، سرعان ما يتبدد، لو أنك تفسحين للصبر حيزاً قليلاً في عمرك المتفتح للتو على وقع الندى، معذرة يا صغيرتي لم أجد في قصتك التي سوف تَتَكررُ مراراً، ما يصلحُ كموضوع لمقال يتورطُ فيه عددٌ لا بأس به من القراء. حسنا أنت تعانينَ من أعراض الحب التي تقولينَ إنها تدفعك إلى البكاء من دون مبرراتٍ واضحة، ومن قال لك إن الحبَ ليس رديفاً لأوجاعٍ كثيرة، غير أنه وبذات اللَحظة يجود بذلك الفرح الأسطوري الباذخ الذي  يُحدثه في الروح، في برهة سحرية عصية على التفسير عند انبثاقه مع النبض كبشارة غامضة. وهو ليس خصماً تقهرينه بل إنَه الحليفُ الذي  يمنحك شعوراً استثنائياً بالقدرة.

أستعيد السطور الأخيرة من رواية (إيزابيل ايلندي) "باولا"، التي أجهزت عليها بعد سهر ليالٍ ثلاث. خمسمائة صفحة من البوح النازف صدقا، سرد اعترافي تطهري باهر، مكتظ بالحب والفقد والغربة والحنين إلى فراديس مفقودة. رواية فذة كتَبتها بالقرب من فراش ابنتها العشرينية المحتضرة التي راحت في غيبوبة لمدة عام قبل رحيلها المأساوي، في محاولةٍ للتعايش مع مأساتها تداوت "إيزابيلا" بالكتابة ولعلها كتبت واحدة من أفضل رواياتِها وتسببت في الوقت ذاته بهذا الأسى الشفيف لقارئة عمّانية بمزاجٍ شتوي، لن يحول من دون تدهوره الوشيك سوى زخات مطر موعودة، كثيرٌ منها سوف يُنْعشُ الروح من دون أدنى ريب.

المراجع

جردية الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   تصنيف :بسمة النسور