اشتكت السيدة من تغير أسلوب صديقتها المقربة، الذي أصبح يميل إلى الجفاء والبرود والتباعد. قالت بأسى: نحن صديقتان من أيام الجامعة، كان الناس يعتقدون أننا شقيقتان؛ لأننا تلازمنا لسنوات طويلة بعد التخرج واعتدنا القيام بكل شيء سوية، نذهب إلى التسوق، نتبادل الزيارات شبه اليومية، ونتشارك بالهموم والأسرار والقرارات المصيرية والتفاصيل مهما بدت تافهة.
كانت دائما بجواري، حين تزوجت رافقتني وخطيبي إلى السوق، ساعدتني في اختيار ثوب زفافي، وعندما أنجبت أول أبنائي قضت الليلة في المستشفى تساندني وتخفف من آلامي.
وقد لعبت معها لسنوات طويلة الدور المساند نفسه، حتى إن أولادنا يتعاملون مثل أي أشقاء، يلعبون ويدرسون ويتشاجرون ويتصالحون ويستعيرون الثياب والألعاب ويتبادلون الأسرار كذلك، وقد غدا زوجانا بطبيعة الحال أصدقاء يقومان بكثير من الأنشطة الرجالية سوية، ولطالما قمنا بالنزهات العائلية الجميلة، كبرنا معا وكبر أولادنا في هذا الفضاء الإنساني الحميم.
أحسست بأننا سنظل هكذا إلى الأبد؛ نظرا لخصوصية تلك الصداقة القديمة المبنية على التفاهم والحب والإخلاص، صداقة راسخة ضرب بها المثل؛ لأنها ظلت مبعث غيرة وحسد الآخرين، غير أن صديقتي العزيزة بدأت تتغير تدريجيا وأخذت تبتعد عني، وانعكس هذا التغير على علاقة الأسرتين الصغيرتين، التي تباعدت بدورها، أخذت تتذرع بالانشغال المرة تلو الأخرى، وخففت أسباب التواصل فيما بيننا إلى حدها الأدنى، غير أنها لم تشأ قطع شعرة معاوية كليا، وظلت تقوم بالواجبات الاجتماعية من دون أي تقصير، ولكن بدا واضحا جدا أنها تبذل جهدا مضاعفا في المجاملة وإبداء اللطف والاكتراث المفتعل، تماما مثلما يحدث بين الأقارب الذين يضطرون إلى اللقاء الموسمي في الأعياد والمناسبات.
تقول السيدة: رغم ألمي وإحساسي الشخصي بالخسارة، غير أنني اضطررت إلى الاستجابة لإشارات صديقتي ورغبتها في الابتعاد، فاتخذت قرارا جذريا بالقطيعة التامة كي أعفيها من تبعات العلاقة البروتوكولية، وذلك بعد عدة محاولات ملخصة بذلتها في محاولة وصل ما انقطع من باب الوفاء إلى التاريخ والعمر الذي مضى، وكان مصير تلك المحاولات الفشل الذريع فقبلت بالهزيمة، وأعلنت وفاة تلك الصداقة الكبيرة واحتسبتها في ذمة النسيان، لكن الفضول يكاد يقتلني لمعرفة سبب كل ذلك الجفاء.
تمنيت وأنا استمع إلى شكوى السيدة لو أن صديقتها موجودة في الجلسة كي نطل على وجهة نظرها في المسألة؛ إذ من المؤكد أن لديها ما تقوله في ذلك الشأن، وأيا كان موقفها فالأصل أنها حرة في تحديد شكل علاقاتها بالآخرين، وأظن أن صاحبة الشكوى تتحمل مسؤولية الاتكاء العاطفي والنفسي المبالغ به على تلك الصداقة من دون الانتباه إلى ان حال البشر متغيرة شأن الطبيعة ذاتها.
تذكرت الحديث النبوي الشريف وهو الدرس الأبلغ في كيفية إدارة العلاقات الإنسانية على اختلاف مستوياتها: "أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وابغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما".
السر إذا يكمن في ما بين (هونا ما ويوما ما) التي ننساها دائما في حراكنا الإنساني، رغم أنها الضمانة والمساحة الخاصة التي تحمي الأرواح من الإحساس بالخيبة والخذلان التي قد يتسبب بها أقرب الناس أحيانا.

المراجع

جردية الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   تصنيف :بسمة النسور