إذا أغمضت عينيك وأرهفت السمع إلى المطرب الأردني عطا الله هنديلة، سيختلط عليك الأمر في البداية وستشعر أنك تستمع إلى عبد الحليم حافظ شخصيا، لأن مقدار الشبه في درجة الصوت ومواصفاته الفنية وأسلوب التعاطي مع الكلمة واللحن بين الرجلين يصل إلى حد التطابق تقريبا، كما أن عطا الله؛ الفنان المتمرس في صنعته العاشق للموسيقى المتورط بها تاريخيا، يعد صاحب صوت شجي متمكن، قادر على إرباك القلب بسهولة، وهو بحق صوت متميز حساس ومثقف، ومن المعروف أن هنديلة كان أحد أقطاب فرقة الفحيص للفنون الشعبية، التي شكلت يوما حالة فنية وثقافية رفيعة المستوى، كان ينبغي لها أن تستمر وتتطور. لكن ذلك لم يحدث لأسباب يضيق المجال عن الخوض فيها في هذا السياق.
وهنديلة مولع من حيث المبدأ بفن وصوت عبد الحليم، وقد شارك في إحياء ذكراه في أكثر من حفل موسيقي أدهش مستمعيه، وخطف الأضواء وحاز على الإعجاب دائما، وأدى هذا الفنان الجميل لأعوام طويلة أغنيات المطرب الراحل بحب كبير، وبالحساسية ذاتها، التي تميز بها العندليب وعرف بها دوما، والتي أهلته في وقت قياسي للوقوف في مصاف كبار النجوم، وحصد على الدوام حب ملايين المعجبين في الوطن العربي. لم يكن ذلك سهلا في زمن توفرت فيه قامات غنائية هائلة تفوق العندليب من حيث الإمكانات الصوتية الخام، غير أنه تمكن من تخطي كل ذلك بفضل توفر عناصر كثيرة في شخصيته؛ كالحضور الجذاب والثقافة والجدية والإخلاص والإحساس الإنساني الرقيق، محتفظا بموقعه كمبدع متفرد عز نظيره، تعلقت أجيال به، وأحبت أغنياته الاستثنائية، وحفظت كلماتها عن ظهر قلب وتبادلها العشاق في كل مكان وظل تأثيره ممتدا حتى لحظتنا الراهنة، وحتى الأجيال الشابة تتذوق فنه الجميل، وتتطلع إليه كأيقونة نادرة الحدوث، وتعده صوتا فتيا عصيا على الكهولة غير قابل للنسيان، ورغم الدرك الأسفل الذي وصل إليه واقع الغناء في العالم العربي، فإنهم يرون أن صوته لم يفقد الصلاحية والمقدرة على حمل مشاعرهم والتعبير عنها ببلاغة، ذلك مع الإشارة إلى الفارق النفسي الكبير الذي يفصلهم عن أجيال سابقة تربت عاطفيا ووجدانيا في جنبات تلك المدرسة العندليبية، المغرقة في الرقة والرومانسية ورهافة الحس، تلك المدرسة المتفردة التي ترسخت وتطورت وتنوعت، وظلت في كل مراحلها مخلصة لفكرة الأصالة والجمال، ورغم أن تركيبة جيل الشباب العاطفية والنفسية بالعموم، صارت أكثر وعيا وواقعية وأقل عرضة للصدمات العاطفية، وهي بكل تأكيد أقل هشاشة، متميزة بحصانة أشد ضد الوقوع صرعى الحب، بموجب أجمل صدفة مثلا! ومع ذلك يظل لديها ذلك التوق لصورة الحب الحزين الصعب المحفوف بالعذابات التي جسدها عبد الحليم باقتدار كبير.
من هنا، يقبل جيل الشباب على الاستماع إلى عطا الله وزملائه من أصحاب الأصوات الجميلة وهم كثر لدينا بالمناسبة. وتكتظ جنبات مركز الحسين الثقافي عادة بالسميعة المتعطشين إلى فسحات جمال تتيحها مشكورة جهات تعمل كحارسة لهذا الإرث، كانت آخرها ضمن وقائع حفل توزيع جوائز المجمع العربي للموسيقى، الذي خصص جانبا من الاحتفال لأغنيات من قصائد نزار قباني، فتألقت الفنانة الموهوبة هيفاء كمال في أغنية "كلمات" لماجدة الرومي، فيما قدمت نتالي سمعان بحس فيروزي عذب أغنية "لا تسألوني"، واختتم الحفل بالمسك حين أدى عطا الله هنديلة "رسالة من تحت الماء" وأضاف من روحه كما من الحب والحنين والحزن، جعل الجمهور يقاطعه مرارا بالتصفيق.
ومع كل التقدير والإعجاب بهذا الجهد الكبير، الذي ينجو من دائرة التقليد الأصم، ليصب مباشرة في مربع الوفاء، فإن الحلم يظل معقودا أن يأتي يوم في زمن ما، يتمكن فيه الفنان الأردني من وضع بصمته الخاصة، كلمة ولحنا لائقا محاطا بعناية واهتمام الجهات المعنية برفع سوية وظروف معيشة الفنان الأردني المظلوم والأقل حظا دائما!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد تصنيف :بسمة النسور