التسول أقدم مهنه في العالم، وبات مشهد المتسولين في معظم عواصم العالم مألوفا ومتكرراً، ومن الاستحالة على أي جهة، رسمية أو أهلية، مهما بلغت براعتها، أن تحدّ من انتشار هذه المهنة، السهلة الشروط شكلياً، المنظمة بعقلية إجرامية محترفة، في العادة، من عصابات استباحة وامتهان الكرامة الإنسانية. ولأن الدهشة في الاستثناء كلما كان نادراً. ولكي لا نفقد الأمل تماماً، أسرد، تالياً، حكايات صغيرة من عواصم عربية مختلفة، في أزمان أكثر بهاء. 

 

صاحت بائعة المناديل الورقية بأعلى صوتها (لأ)، وظلت تكرر الكلمة بغضب من تعرض للإهانة الشديدة، فيما بقيت يدها مشرعة في الهواء تحمل علبة مناديل في إصرار عجيب ينم عن أنفة وعزة نفس لا يحدها فقر أو جوع، ما أجبر الزميلة ذات القلب العطوف على العودة والحصول مرغمة على ما دفعت ثمنه: علبة مناديل جيب، وقد تفهمت رسالة السيدة التي وصلتها بليغة لا تقبل اللبس، وأدركت على الفور أنها بصدد امرأة صابرة هدتها السنوات تكسب قوتها بالعرق والضنى ليس أقل!

 

كانت نوايا الزميلة في غاية النبل والإنسانية، وقد رأفت لحال تلك السيدة السبعينية المتعبة التي تفترش الأرض سعيا إلى تحصيل رزقها الضئيل في ليل القاهرة المضيء، رغم لفحة البرد في بقعة تتزاحم فيها الأقدام المتجهة إلى خان الخليلي في حي الحسين؛ حيث رغبت في التصدق على تلك العجوز القاهرية، فقدمت ما جادت به نفسها ولم تحفل بالحصول على علبة المناديل التي لا تحتاجها أصلا، خبأت العلبة في حقيبة يدها بعد أن ربتت على يد العجوز العنيدة باعتذار صامت شابه إعجاب كبير بتلك الروح الحرة غير القابلة للانكسار. حدثت تلك الواقعة قبل شهرين ليس أكثر!
حكاية شبيهة جرت لزميل كان يتسوق وزوجته في سوق الحميدية الشهير في قلب دمشق، حيث يتكاثف وجود باعة صغار لا يتجاوز عمر أكبرهم العشر سنوات يلاحقون المارة بمثابرة (تفرفط الروح)، عارضين بضائعهم المعلقة على أكتافهم التي يستخدمونها كبسطات متحركة يعلقون عليها ما تيسر من بضائع خفيفة تتصدرها دزينات جوارب رديئة الصنع، غير أنهم يزعمون للزبائن أنها نخب أول، وأن من يشتريها لن يندم، يتميز هؤلاء الصبية بقدرة غير اعتيادية على إثارة ضجر ضحاياهم من فرط الإلحاح، وهذا ما حصل مع الزميل الذي دفع لصبي منهم ثمن دزينة جوارب لم يحفل كثيرا في الحصول عليها أملا في التخلص منه، غير أن الصبي المنتفض غضبا لاحقه بضراوة أكبر في أرجاء السوق ولم يتركه يمضي في سبيله قبل أن يرغمه على أخذ الدزينة في استكمال طبيعي لشروط الصفقة، معترفا له بعصبية أنه بائع حربوق لكنه ليس متسولا!

 

وفي صباح يوم عماني ساحر غزير المطر، لفه ضباب حميم، وتراكض فيه مشاة متلفعون بملابسهم الثقيلة تفاديا لرشقات الماء التي يحدثها عبور سيارات سريعة، وعند إشارة الحدائق تحديدا، لمحت شابا يرتدي معطفا ثقيلا لا بد أنه ابتاعه من شارع الطلياني، كان يغطي بحرص كبير جرائده المعرضة للبلل، بكيس بلاستيكي متحديا سطوة المطر، مصرا على الانتهاء من حمولته الورقية رغم الجو العاصف، فتحت النافذة وأخذت الجريدة ونقدته دينارا وقلت له "خلص مسامح بالباقي"، والباقي كما تعرفون كان خمسة وسبعين قرشا، أي ما يعادل ثمن ثلاث صحف بالتمام والكمال، ومهما مضى بي العمر، فإنني لن أنسى أبدا النظرة المؤنبة لذلك الفتى المجروح بحسن النوايا، وهو يصر على إعادة الباقي ويرميه باستغناء عزيز على "تابلوه" السيارة قبل أن يركض بخفة مستجيبا إلى زامور سيارة أخرى.

 

حكايات صغيرة جرت أحداثها في بقع مختلفة من هذا الوطن، قد تبدو مجرد حكايات عابرة تحدث أحيانا، غير أنها تؤكد بما لا يقبل الشك على أن الخبز قد يغدو في لحظة مفصلية ليس ضروريا إلى ذلك الحد الذي يتوهمه البعض.
ذلك أنه بالكرامة وحدها ينبغي أن يحيا الإنسان، وهي ما نتوق إليه كفاف زماننا!
 

بسمة النسور


المراجع

alaraby.co.uk

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   بسمة النسور   العلوم الاجتماعية