أُطلقت أوصاف وتسميات كثيرة للمرحلة القائمة اليوم في التطور الإنساني: ما بعد الصناعة؛ ما بعد الحداثة؛ المعرفة؛ المعلوماتية.. ولكن ربما يكون أهم وأفضل وصفين هما "الشبكية" و"المخاطرة".
وقد ارتبط وصف الشبكية بعالم الاجتماع الإسباني مانويل كاستلز. فيما يُنسب وصف المخاطرة إلى عالم الاجتماع الألماني أولريش بيك، بسبب كتابه الصادر في العام 1986 بعنوان "مجتمع المخاطرة". ثم أصدر بيك في العام 2006 كتاب "مجتمع المخاطر العالمي: بحثا عن الأمان المفقود"، مشيرا في المقدمة إلى أن ما كان يبدو مبالغا فيه قبل عشرين عاما، أصبح أمرا واقعا ومحسوسا. ولحسن الحظ، فإن الكتاب تُرجم إلى العربية (2013) ضمن أعمال ومنشورات المركز القومي للترجمة في مصر، بالتعاون مع المركز الثقافي الألماني.
يقول أولريش بيك إن المجتمع الصناعي بدأ بالاندثار، مفسحا المجال لمجتمع جديد تسوده الفوضى، وتغيب فيه أنماط الحياة المستقرة ومعايير السلوك الإرشادية. ويرى عالم الاجتماع الإسباني مانويل كاستلز أن مجتمع المعلومات المعاصر يتميز بظهور "الشبكات" و"اقتصاد الشبكات". والنظام الاقتصادي الرأسمالي السائد اليوم إنما يقوم على ثورة الاتصالات العالمية، ولم يعد قائما كما كان يفكر كارل ماركس، على الطبقة العاملة أو على إنتاج السلع المادية؛ فهو يقوم على التقدم في شبكات الاتصال والحوسبة التي أصبحت هي الأساس لتنظيم عملية الإنتاج.
سأعود إلى الكتاب على نحو مفصل، ولكني اليوم سأذكّر بضرورة الاهتمام على مستوى الأفراد والمجتمعات والأسواق والدولة بالتداعيات والآفاق الناشئة عن التحولات الجارية حولنا، والتي لن تنتظرنا حتى ندركها أو نواكب أنفسنا معها، لنقدر ما يجب أن نفعله ونعيد النظر فيه.
لنعد النظر مرة أخرى في مسار التقدم ونشوئه، لنفكر بطريقة صحيحة في استنتاج الاستجابة الثقافية والاجتماعية الملائمة للتحولات أو للتقدم التقني والاقتصادي. وهو بالطبع ما لن تكفي المساحة المتبقية للتعبير عنه. 
كانت الآلة البخارية لحظة تحول كبرى. فهذه المحاكاة الآلية للجسد والكائن الحي في العمل والجهد، والتي أنشأت الشاحنات والقطارات والجرارات والرافعات والحفارات العملاقة، أنشأت تقدما اقتصاديا وتقنيا هائلا. ولكن التقدم الإنساني المؤثر والجوهري لم يكن في الاكتشافات التقنية، ولكن في الفكر والثقافة والعلاقات والأعمال الناشئة عن هذه التقنية وحولها. ففي الغرب، توقفت النزاعات المسلحة والحروب، وحتى الصراعات والاختلافات السياسية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ونشأت منظومات للحريات والعدالة والحقوق والمساواة والتضامن والرعاية الصحية والاجتماعية، لم تصل إليها البشرية من قبل؛ التقاعد والضمان الاجتماعي والتأمين الصحي. يا لروعة هذا الاكتشاف الإنساني العظيم!
وإذا نظرنا اليوم حولنا في التداعيات الإنسانية والاجتماعية والسياسية والثقافية الناشئة عن المعلوماتية، فيمكن بسهولة ملاحظة كيف يتشكل عالم جديد، واقتصاد جديد، ومجتمعات جديدة، وثقافة جديدة، وأعمال جديدة.. وإنسان جديد.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد