وأذكر ما بمدينة القاهرة من الخطط والأصقاع.. فتتهذب بتدبر ذلك نفس القارئ وترتاض أخلاقه، فيحب الخير ويفعله، ويكره الشر ويتجنبه" (المقريزي).
يحرك كتاب "كوكب العشوائيات"، تأليف مايك ديفيز، والذي ترجمه ربيع وهبة ضمن إصدارات المركز القومي للترجمة، أسئلة وأفكارا كثيرة للتأمل في مدننا وتخطيطها. ورغم أنه لا يشملنا وصف المدن العشوائية، إلا أننا لا نكاد نختلف عنها كثيرا.
الكتاب يدرس ظاهرة العشوائيات في المدن، والمقدر عدد سكانها بمليار نسمة، حسب تعريف الأمم المتحدة الذي يركز على الخصائص القانونية، ويتجنَّب الأبعاد الاجتماعية.
تتشكل العشوائيات اجتماعيّاً من مجموعات من العمال غير المنتظمين في عمل ما (عمالة سائبة)، والكثير منهم طردوا من أعمالهم. كما من المهجرين قسراً، والريفيين القادمين بحثاً عن فرص أفضل، واللاجئين وضحايا الحروب والكوارث، والخارجين على القانون والمهربين.
يرد مايك ديفيز تشكل العشوائيات إلى سياسات حكومية وإدارية استعمارية. ثم تابعتها الحكومات المتشكلة بعد الاستقلال. وفي محاولات ومشروعات معالجة الظاهرة التي أدارتها الحكومات بالتعاون مع البنك الدولي والمنظمات الدولية، فإن الحالة قد ازدادت سوءاً.
في محاولات لحل مشكلات العشوائيات وإسكان الفقراء، لم يلاحظ المخططون للأمكنة الاستراتيجيات الفعلية لمصادر رزق فقراء الحضر، بما في ذلك استخدامهم المتكرر لمنازلهم ورش عمل، أو حاجتهم إلى السكن في موقع قريب من الأسواق المركزية أو المصانع. كما عدم اتساق السكن الشاهق على أطراف المدن (الأبراج السكنية التي أقيمت لإيواء الفقراء) مع البنى الاجتماعية السائدة والاقتصادات غير الرسمية. وهذا خطأ تاريخي متكرر للإصلاحيين الحضريين وقياصرة المدن في كل مكان.
لقد تخلت الدولة ما بعد الكولونيالية/ الاستعمارية عن وعودها لمواطنيها في حياة أفضل، وتوفير السكن والعمل والتأمين الصحي لهم. وهناك إجماع على أن السكن العام المدعوم من الدولة في العالم الثالث، قد انتفعت به بشكل رئيس الطبقات الوسطى الحضرية والنخب.
متوالية العشوائيات لم تقف عند الفقر والفجوة المتسعة بين الفقراء والأغنياء وغياب الأمان والضمان الاجتماعي والتأمين الصحي لنسبة كبيرة من الناس، ولكن هذا التهميش أنشأ متوالية أخرى من الإرهاب والتطرف وتجارة المخدرات والاتجار بالبشر. وربما يكون أسوأ من استعباد البشر والدعارة، ما يجري من اتجار بالأعضاء البشرية، وهو سوق ظهرت في الثمانينيات، وافتُتحت بجراحة نقل الكلى والأعضاء البشرية القابلة للزراعة والتبديل، وامتدت من الهند إلى أجزاء واسعة في العالم! إنها حالة وصفها موبوتو سيسيكو؛ الرئيس الأسبق للكونغو (زائير): "كل شيء يمكن بيعه، كل شيء يمكن شراؤه

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد