لطالما غبطنا بل وحسدنا الأصدقاء العرب في كل مكان على مساحة الحرية المتاحة لنا، وقد أبدينا على الدوام حس مسؤولية عاليا في ممارسة حقنا، المكفول دستوريا بالتعبير عن مواقفنا ومطالبنا بحياة حرة كريمة، ولطالما تباهينا أمام الأمم بالصورة الحضارية المشرقة التي تجلت في الأشهر الأخيرة، صبيحة كل جمعة في قلب البلد وذلك في مشهد استثنائي مختلف كليا عما يدور في الجوار من بطش وترويع وقتل وإهدار كرامة واستخفاف بمطالب إنسانية مشروعة لم تتجاوز أدواتها الحناجر، جاء الرد على هتافاتها بالنار والرصاص الذي أزهق أرواح مئات الشهداء في المساجد والشوارع، ما جعلنا نردد دوما وبكل ثقة (الأردن غير شكل!).
وكثيرا ما سردت بزهو كبير في تدليل على تلك الثقة حكايتي مع الشرطي المهذب الذي ناولني زجاجة ماء أثناء مظاهرة سليمة حضارية، انطلقت بحماية أمنية مسؤولة وشكرته قبل أن اكتشف من خلال قراءة اسمه الواضح على لباسه الرسمي أنه بلدياتي!! في تأكيد جميل أن اختلاف المواقع ووجهات النظر بين أولاد العمومة والإخوة لن يفسد الإجماع على حب الوطن قضية.
نعم كنا وإلى عهد قريب مثالا حيا مشرفا يحتذى ويعتد به على جدوى انتهاج الحوار المدني المتحضر والمثقف والمحترم والإنساني، وظلت الحالة الأردنية المشرقة رغم نقاط السواد والعتمة القاتمة تأكيدا على جدارتنا بالشمس والحرية والعدل والمساواة، تلك القيم الإنسانية النبيلة التي تحرك في سبيل تحققها، شباب أردني حالم من ابرز ملامحه النضج المبكر والوعي والقدرة على التمييز والالتزام، مدفوعا بالغيرة والحرص والحب الخالص لهذا الوطن وهو الأعلى والأعز والأغلى.
غير أن فضيحة دوار الداخلية وما نجم عنها من قبح طال سلامة وكرامة هؤلاء المعتصمين، كسرت هذا اليقين وأحدثت صدمة كبيرة لن نتخلص من تبعاتها بسهولة، لاسيّما مع ما يدور حاليا من حراك هدام مريب على صفحات "الفيسبوك" وبعض المواقع الالكترونية، إضافة إلى بعض القنوات التلفزيونية وبعض المحطات الإذاعية التي يتصدر منابرها جهلة أدعياء يبثون على الهواء ثقافة الكراهية والحقد في سياق خطاب إعلامي بذيء مخز، من شأنه تأجيج روح الفتنة الإقليمية البغيضة.
وقد وصلت في الأيام الأخيرة عبر الفيسبوك إلى العديد من الشباب دعوة مشبوهة تحثهم على ارتداء الشماغ الأحمر، فيما وردت آخرين ومن الجهة الآثمة ذاتها على ما يبدو دعوة مماثلة لارتداء الشماغ الأبيض، وذلك في محاولة مكشوفة لفرز الناس على أساس إقليمي قاصر، معتمدين مقياسا في منتهى الغرابة لتحديد مقدار المواطنة والانتماء والولاء، مقياس بائس، يعبر عن مدى اليأس والإفلاس الفكري والإنساني والأخلاقي والوطني الذي وصل إليه أولئك المفسدون في الوطن، فلم يعد أمامهم سوى العزف على موال ناشز ممجوج بأنفه ويأبى ترديد نغمته كل ذي عقل راجح.
من هنا لا بد من التأكيد أن المسؤولية كبيرة وجسيمة وهي ملقاة علينا جميعا من دون استثناء، حكومة ومؤسسات وأفرادا، للتصدي بكل وسائل التوعية والتثقيف لهذا الوباء البشع الفتاك المعدي بالضرورة، لاسيّما بين صفوف الشباب؛ لأنه يهدد بالقضاء على مناعتنا والإجهاز على ما تبقى من أحلامنا ما لم نتدارك الفاجعة ونفعل كل المضادات المتوفرة للقضاء عليه وتقليص آثاره المدمرة.
ولنتيقظ جميعا ولتتنبه حواسنا قاطبة قبل أن تحل علينا اللعنة؛ لأن الفتنة ليست نائمة تماما على ما يبدو!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جريدة الغد   صحافة