لم تكن اياما سهلة، وصلت فيها الأعصاب والمشاعر إلى الحواف النهائية للتحمل، ولكن بعد أن تنفسنا الصعداء قليلا علينا كإعلاميين أن نراجع أداءنا والطريقة التي قدمنا فيها الرسالة والخطاب إلى الرأي العام وهل كنا نعكس حقيقة حالة من الوعي الموضوعي الذي يحافظ على الحياد والمهنية أم أصبحنا طرفا مشاركا بشكل سلبي في الاستقطاب؟

الإعلاميون بشر ومن الصعب أن يكونوا محايدين في مثل هذه الحالات فلا بد من اتخاذ المواقف ولكن المهم هو المصداقية والمهنية واحترام الحقيقة وأعتقد أن القليل فقط من الإعلاميين هو الذي تمسك بهذه المرجعيات.

لا أعتبر نفسي نموذجا. غضبت كثيرا لقرار رفع الأسعار، ثم غضبت من الطريقة السلبية التي ظهرت في التعبير عن الرأي في المسيرات وخاصة أعمال التخريب ومحاولة إغلاق الطرق والمواقع الحيوية. تعاطفت بشدة مع الأمن العام والدرك في أدائهم المحترف في ضبط المسيرات، ولم تعجبني أبدا اعتقالات الشبان الصغار والأحداث. شعرت بنوع من الإهانة لذكائي وأنا استمع إلى بعض التصريحات الرسمية ولكنني شعرت بغليان في دمائي بعد سماع شعار إسقاط النظام من بعض الصبية المتظاهرين. شعرت بالكثير من الإنزعاج من ترويج الأخبار والصور المفبركة عبر المواقع الإلكترونية والفيسبوك والبعيدة عن كل المهنية. حزنت من مظاهر سوء التربية لدى من يدعون أنهم إصلاحيون أو أولئك الذين يدافعون عن النظام باستخدام كلمات غير لائقة، وصعقني استخدام بعض الفتيات لها.

كل هذا الطوفان من المشاعر أثر في كتاباتي، ربما ليس في المقال اليومي ولكن في بعض مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها. عندما يتعلق الأمر ببلدك من الصعب أن تلتزم الحيادية وضبط النفس كما تفعل في التعليق على الأوضاع في الخارج. لهذا أشعر بالكثير من الامتنان للزملاء الذين تمكنوا من الحفاظ على الموضوعية والحقيقة وبنفس الوقت الالتزام بمرجعية الدولة وعدم الإنجرار وراء مواقف وكتابات تداعب غضب الرأي العام وتهدف إلى صنع شعبية. لقد رأينا في الاشهر الماضية الكثير من الانقلابات في المواقف وبشكل غير مفهوم من بعض الزملاء ومنهم من عاد إلى موقعه الأصلي بعد انقلاب مؤقت نفهم بكل تأكيد أن التغيير سنة الحياة وأن المواقف قد تتغير نتيجة عوامل مستجدة وهذا لا نجادل به ولكن مسؤوليتنا تجاه من نخاطبهم هي أن يكون التغيير لمصلحة وطنية وليس خاصة.

رسالة الإعلام ليست التحريض وليست التزلف، بل هي الحقيقة والموضوعية. حرية اتخاذ المواقف السياسية هي حق مكفول للجميع بشرط أن يوضح الإعلامي لجمهوره ما هي القناعات التي يؤمن بها فعلا ولا يظهر في صورة الإعلامي المحايد بينما يساهم في نقل معلومات غير صحيحة او ما هو أخطر من ذلك...نقل نصف الحقيقة وتجاهل النصف الآخر


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  باتر محمد علي وردم   جريدة الدستور