يُجري المهندس حازم ملحس؛ وزير البيئة الأسبق، مقارنة بين استراتيجية برنامج المساعدات الأميركية القديم لتايوان وكوريا الجنوبية لخلق الاقتصادات الناشئة، وبين البرامج نفسها في الأردن، وكيف أنه في الحالة الأولى نشأ تقدم اقتصادي كبير، وفي الأردن نشأت حالة مرضية من الاتكالية وثقافة ورش عمل، وندوات ومستشارون ومكاتب ومؤسسات هي حبر على ورق. وبالطبع، كان ثمة مشاريع في البنية التحتية والمياه والصرف الصحي.
والحال أنه أُنفق في البلد في السنوات الخمسين الفائتة مبالغ هائلة. وما يزال يُنفق الكثير من المنح والمعونات العربية والأجنبية، والتبرعات ومبادرات المسؤولية الاجتماعية للأفراد والشركات. ولكن مقارنة الإنفاق بالإنجاز تصيب بالإحباط والقلق. إذ يُفترض أن ما أُنفق يكفي لتحويل الفقراء إلى مكتفين وإيقاف الفقر نهائيا، ولمشاريع للطاقة البديلة والمتجددة وتحلية المياه، تسد العجز في الاحتياجات المائية، وتطور الري والزراعة، وتضاعف الإنتاج الزراعي والغذائي والصناعي، كما تسد نسبة كبيرة من احتياجات الطاقة، وتوفر مدارس كافية مزودة أيضا بمختبرات وصالات رياضية ومسارح، وتحل أزمة الغذاء والدواء، وفوق ذلك توفير جهاز لوحي رقمي وقيثارة لكل تلميذ!
المشهد الأردني بفعل برامج التمويل والتبرع هذه، صار أكثر تشوها وفسادا. إذ يمكن اليوم ملاحظة أن البلد يغص بالمؤتمرات والندوات والبرامج العلمية والثقافية، ولكنها من غير جمهور ومن غير محتوى أيضا. ويوجد حوالي خمسة آلاف جمعية ومنظمة مجتمع مدني، ممتدة في المدن والبلدات وفي مختلف المجالات والتخصصات؛ في الثقافة والتنمية الاجتماعية وحقوق الإنسان والبيئة، لكنها لا تعكس تنظيما اجتماعيا حقيقيا للمجتمعات، يؤثر على احتياجات الناس وأولوياتهم، ويرتقي بمستوى الحياة والخدمات. كما أنها لا تمنح المجتمعات الحد الأدنى من التوازن مع الحكومة والشركات، ولا يزيد في شيء مشاركتها الاقتصادية؛ فما تزال الاقتصادات والموارد التابعة للمجتمعات ومساهمتها في التوظيف والناتج المحلي، لا تساوي شيئا يذكر! هي مؤسسات مجتمعية أقرب، في غالبيتها العظمى، إلى البؤس والوهمية؛ إما أنها محدودة وفقيرة، أو أنها مجرد دكان لشخص واحد أو مجموعة لا تفعل شيئا يُذكر سوى امتصاص المساعدات والمنح الأجنبية والتسهيلات والإعفاءات الحكومية!
بالطبع، هناك قدر من النجاح والإنجازات، ولكنها أمثلة وحالات وإن كانت صحيحة، فإنها لا تصلح لدحض المقولة السابقة. ذلك أنه حتى في الصومال توجد قصص نجاح وإنجاز حقيقي وقائم بالفعل، ولكن الأمثلة الصحيحة لا تكفي لنفي حالة عامة وسائدة من المشاريع والمؤسسات الوهمية، وغياب الإنجاز والإنتاج. 
لا يحتاج المواطن الى أرقام ولوحات "بروجيكتر"؛ فالماء والطاقة والبادية تبدو في حالة واضحة وصادمة، وهذه مدارسنا وجامعاتنا ونعرفها، وهذه عياداتنا ومستشفياتنا العامة والخاصة، وهذه السوق نرى ما فيها من استقواء ونصب ورداءة وإذعان.. ولا حاجة لنا بعد ذلك لما تقوله جمعيات ومؤسسات المواصفات والمقاييس، والغذاء والدواء، والتخطيط، والصحة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد