يعاني المجتمع الأردني منذ عدة سنوات من تغيرات سلبية في منظومة القيم الاجتماعية، تتمثل في النزوع المستمر لانتهاك القانون والتهرب من المسؤوليات، وتزايد نسب ارتكاب الجرائم والجنح والتعرض لحقوق الآخرين وبكل اسف فإن هذه الظاهرة تزايدت في فترة “الربيع العربي” التي شهدت تراجعا في هيبة الدولة وتأثير الأمن العام في سياق تطبيق سياسات الامن الناعم والتي تم استغلالها في كثير من الحالات في ارتكاب تجاوزات حقيقية ضد القانون.
لست خبيرا تربويا ولا اجتماعيا ولا أريد أن اقوم بالتنظير، ولكن على الأقل يمكن القول بأن عناصر بناء القيم وتحديد السلوك في أي مجتمع تتمثل في ست عناصر هي الأسرة والدين والثقافة العامة والتعليم والقانون والتكنولوجيا، وفي كل هذه العناصر هناك تغيرات كثيرة في الأردن باتت تهدد بتغير منظومة القيم.
يلعب الدين دورا رئيسيا في القيم وربما يكون أهم العناصر، والدين الإسلامي والمسيحي هما من الديانات الأكثر تركيزا على الأخلاق وقد جاء تميز دور الدين في المجتمع الأردني بشقيه المسلم والمسيحي ليضع أهمية كبيرا على منظومة القيم. بالرغم من كل هذه الروح الأخلاقية الهائلة في الدين الإسلامي فإن الطريقة التي يتم بها احيانا عرض الإسلام والدعوة إليه تبدو بعيدة عن الأخلاق الاجتماعية وأقرب إلى التطرف والعنف حيث التهديد والوعيد والغضب والترهيب وبث الكراهية والعنف والتكفير هو الخطاب السائد، أما الأخلاق الحقيقية فهي لا تعتبر ذات أولوية.
الأسرة بقيت في الأردن محصنة من الكثير من الأمراض الاجتماعية في الغرب ربما بسبب قوة التماسك العائلي والعشائري والذي ساهم في حماية قيم الأسرة كوحدة اجتماعية أساسية. ولكن المشكلة تحدث عندما لا يجد الصغار في الأسرة نموذجا أخلاقيا مناسبا وتشكل الأسرة بالتالي عاملا جديدا يضاف إلى التحولات السلبية في المجتمع.
الثقافة العامة في المجتمع يحددها مزيج من التقاليد الاجتماعية والدينية السائدة في مجتمع ما وفي وقت ما. وفي المجتمع الأردني هناك تحولات كثيرة نحو ثقافة الاستهلاك والربح السريع والفهلوةوهذا بدوره ينعكس سلبيا على سلوك وقيم الناس في ثقافة باتت تحترم القوي وصاحب المال والنفوذ أكثر من صاحب القيم والنزاهة.
التعليم من العناصر الإيجابية الهامة إذ أن نصوص المناهج تبقى دائما تحت سيطرة الخبراء والمختصين في التربية والذين يحاولون جهدهم تضمين كل القيم الإيجابية في المناهج التعليمية. لكن المشكلة هي أن القيم والأخلاقيات النظرية التي يتم تعليمها في المدارس في حالة تناقض مع قيم التعصب والتطرف والاستهلاك وتجاوز القانون التي تشجعها أنماط مشوهة من الثقافة الاجتماعية والدينية والأسرية. ومن أشد الأمثلة سوءا على عدم احترام قيم التعليم التعرض بالضرب للمعلمين من قبل بعض الطلبة وهي ظاهرة تنتشر بشكل مستمر للأسف في المجتمع الأردني.
القوانين والتشريعات من أهم مصادر الإنضباط واحترام القيم ولكنها أحيانا تكون غير كافية للردع. والأسوأ من ذلك عندما يتم تطبيقها بشكل إنتقائي ولمصلحة البعض ضد البعض الآخر وبالتالي تسقط كل الثقة بمنظومة التشريعات والقيم ويصبح الخروج عن القانون بمثابة “مهارة” ورمزا للنفوذ والقوة والشجاعة التي تثير الإعجاب في الثقافة السائدة.
التكنولوجيا الحديثة وسيلة مؤثرة جدا قد تساعد في تحسين القيم والسلوك أو الإساءة إليهما حسب طريقة عرض التكنولوجيا وفي هذا السياق فإن الدور السلبي الذي قد تقوم به بعض وسائل التكنولوجيا الحديثة مثل الفضائيات والهواتف الخلوية وتطبيقاتها والفيديو والإنترنت في تشجيع العنف والإباحية والتطرف فهو موثق وتأثيره واضح تماما على المجتمعات العربية.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة باتر محمد علي وردم جريدة الدستور