في علاقة الدين بالدولة والمجتمع، ثمة فكرتان أساسيتان تنظمان هذه العلاقة: الحريات الدينية؛ والاستقلال بين الدين والدولة والتشريعات والقوانين المنظمة لحياة الناس. فلا يمكن إجبار أحد على معتقد أو منعه من ذلك؛ لقد تخطى العالم مرحلة الإكراه الديني. ولكن يجب أن نملك الجرأة لنقول إن ذلك يجب أن يكون في كل الاتجاهات ولكل الأديان، ويجب أن يكون أيضا مستقلا عن القوانين والتشريعات والإدارة العامة؛ بمعنى أن العلاقة بين المواطنين والدولة ينظمها القانون وبمساواة تامة، بغض النظر عن الدين.
الحديث الإجرائي عن الحريات الدينية يعني ببساطة ألا يكون لدين المواطن علاقة بالقوانين التي تطبق عليه، مثل الزواج والميراث، أو الإشارة إلى الدين في الوثائق الرسمية، وأن يكون الدين في ممارسته وتعليمه شأنا مجتمعيا لا تديره الدولة ولا تتدخل فيه إلا ضمن سيادة القانون؛ بمعنى أن المواطنين يمارسون حريتهم الدينية باستقلال عن الدولة والقوانين، ويجب ألا يؤثر اعتناقهم للدين أو تغييره أو تركه على مواطنتهم وحقوقهم وفرصهم في المواطنة والحصول على الوثائق الرسمية، وفي الزواج والطلاق والميراث.
وهكذا، يجب مراجعة قانون الأحوال الشخصية والمحاكم الشرعية والكنسية، وتعليمات إصدار الوثائق ومنحها للمواطنين، بحيث يكون اعتناق الدين أو ممارسته شأنا شخصيا. أما تنظيم العلاقة بين المواطنين بعضهم ببعض وبينهم وبين الدولة؛ كالزواج والميراث والوثائق القائمة على المواطنة والجنسية، فهي مسائل تنظمها الحكومة من خلال وزارة الداخلية والأحوال المدنية والجوازات والوزارات والمؤسسات الحكومية الرسمية مستقلة عن أي مؤسسة دينية.
والحال أننا دولة دينية قروسطية؛ حيث تمارس الدولة والمؤسسات الدينية سلطات غير منطقية تتعارض فيما بينها وتتناقض مع الدستور، وتلحق الأذى بالمواطنة، بل ولا ينسجم وضعنا مع التطورات العالمية في الحقوق والتنظيم السياسي للدول.
معاقبة أي مواطن خارج القانون والمحاكم، تشكل انتهاكا لسيادة القانون وضمان الدولة لحقوق المواطنين. ولكن حتى نتحدث عن سيادة القانون، يجب أن يكون القانون هو الرابط وأساس العلاقة بين المواطنين بعضهم ببعض ومع الدولة، ويجب إزالة كل المعيقات التشريعية والسياسات التي تناقض سيادة القانون وحقوق المواطنة، ومن ذلك الاستقلال بين الدين والدولة وتشريعاتها، وألا يكون ثمة سلطة على المواطن غير القانون.
ربما يحدث تعارض بين ثقافة المجتمع وبعض التشريعات، وهذا يحدث في جميع دول العالم، ولذلك يوجد في كل الدول الديمقراطية تيار سياسي محافظ يسعى دائما إلى التوفيق بين الدولة والدين، تقابله بطبيعة الحال تيارات سياسية أخرى تنشئ رؤيتها للدولة والتشريع على أسس فلسفية ومبادرات سياسية تنظر إلى العدل والتقدم باعتباره كذلك، وليس كما يراه الناس (اليسار والليبرالية)، أو توفق بين المنطق والمجتمع (الوسط). ومن اللافت والمهم جدا ملاحظة أنها تيارات وأفكار تحظى في أحيان كثيرة بتأييد أغلبية الناس.
الانتخابات (ولا بأس بتكرار هذا القول) تعني ببساطة ووضوح، النسبية وعدم اليقين. والتقدم إلى الانتخابات على أساس اليقين، يتعارض كليا مع الانتخابات؛ بمعنى أنه لا يجوز أبدا أن يقدم أحد رأيا أو موقفا على أنه حق نزل من السماء إلى صناديق الانتخاب؛ فما كان يقينا يجب أن يبتعد عن الصناديق، أي استقلاله التام عن البرلمان والحكومة والنقابات والبلديات.. وما يقدم إلى الصناديق يجب على أصحابه الإقرار والاعتراف مسبقا بأنه قابل للمراجعة والتجريب، وأن يكون صوابا أو خطأ. وهذا خطاب لا يجوز أن يستند إلى الدين ولا أن يعتقد أصحابه أنه حق نزل من السماء!
ما يجري في بلدنا يضر بالدين والمواطنة والانتخابات وسيادة القانون، وكل مبادئ العقد الاجتماعي المؤسسة للدولة وعلاقتها بالأفراد والمجتمعات، ويستدعي مراجعة فورية وعدم تأجيل المشكلة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد