مقارنة بانتخابات 2007 و 2010 لا يستطيع أحد أن ينكر أن الانتخابات الأخيرة حققت تقدما ملحوظا في عناصر النزاهة والإدارة المستقلة. إن التحول من نمط إدارة وزارة الداخلية وتدخلات سياسية أخرى في الانتخابات والذي كان سائدا طوال عمر الدولة، إلى نمط إدارة هيئة مستقلة تعتمد على كوادر بسيطة وعدد كبير من المتطوعين ما كان ليحدث بشكل ثوري في أول تجربة. كان واضحا أن هنالك أخطاء وجوانب خلل في الإدارة كشفت عنها الممارسة الأولى ومن المؤمل أن يتم تجاوزها في الانتخابات القادمة.
ما لم يتغير للأسف في الانتخابات الثلاث الماضية هو سيطرة المال، والذي من غير الصائب تسميته بمال سياسي بل هو مال استثماري يشبه إلى حد كبير عمليات “المناقصة” التي تتم على الحصول على عقود عطاءات، وفي واقع الأمر فإن السمة السائدة لمجلس النواب الأردني في السنوات الماضية ومنذ 2007 بالذات أنه أصبح خاضعا لخصخصة المال.
حتى لو افترضنا أقصى درجات النزاهة في الانتخابات، ومن أجل إحداث تغيير حقيقي في نوعية مجلس النواب لا يكفي لوم الناخبين أو قانون الانتخابات بل يجب أن يتحرك النشطاء السياسيون والمثقفون والمتعلمون لخوض تجربة الترشيح للانتخاب. مشكلة القانون الحالي المفصل على الدوائر الصغيرة أنه يدعم اصحاب الأموال. لقد اصبح الحصول على مقعد نيابي هو بمثابة “استثمار” للمرشح الذي لديه مبلغ قد يصل إلى 50 ألف دينار كحد أدنى لانفاقه في الانتخابات، وأحيانا يصل الأمر إلى ما يتجاوز المليون دينار. هذا يجعل فئة المرشحين محدودة جدا حيث لا يمكن لأي شخص نشيط سياسيا ومثقف من ابناء الطبقة الوسطى أن يستغني عن مدخراته وحقوق أسرته في الصحة والتعليم والسكن والغذاء من أجل خوض انتخابات كهذه.
لا مجال أمام النشطاء المسيسين وابناء الطبقة الوسطى لدخول البرلمان والمشاركة في صناعة التغيير في الأردن إلا من خلال عضوية الأحزاب ومن خلال قانون انتخاب يخصص حوالي 50% من المقاعد للقوائم الحزبية والسياسية والتي لا تحتاج إلى إنفاق مالي مشابه للترشح الفردي. في هذه الحالة فقط يمكن توقع صعود نخب سياسية جديدة وشابة تستبدل رجال الأعمال والزعماء المحليين في مجلس النواب.
خصخصة مجلس النواب تشكل عائقا كبيرا أمام الحياة السياسية لأن كل “مستثمر” اشترى مقعده في المجلس سيعمل على استعادة جزء من هذا الاستثمار أو كله عن طريق مزايا ومكتسبات شخصية (تقاعد، سيارات، سفر وترحال) أو عن طريق بزنس العطاءات والمقاولات والشراكات التجارية أو عن طريق التعيينات والواسطات وغيرها من أدوات الحصول على حقوق الآخرين بطريقة غير نزيهة. هذه المواقف الشخصية ربما تلعب أدورا حاسمة أيضا في قرارات سياسية مثل قرارات الدعم والرفض لقرارات الحكومات وتفتح المجال أمام الصفقات الشخصية. ومع وجود خيارات الحكومة البرلمانية فإن الصراع سيكون كبيرا وشرسا لحصول النواب على كراسي الوزارة والتي تعتبر أفضل عائد ممكن للاستثمار.
نريد أن نتقدم إلى الأمام وأن تكون أغلبية النواب من اصحاب المواقف والتوجهات السياسية ومن النشطاء في العمل العام والحريصين على مصالح البلاد والعباد، وهذا يتطلب تخفيضا كبيرا للصعوبات التي يواجهها المرشحون خاصة في السياق المالي. نسبة أكبر للقوائم الحزبية ووضع سقف للانفاق الانتخابي سيعطي المرشحين المزيد من فرص المساواة ولا يؤدي إلى انطلاق بعضهم من مواقع أكثر تقدما نتيجة ثراء حساباتهم البنكية...ليس إلا
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة باتر محمد علي وردم جريدة الدستور
login |