ابن زياد وغزة! 

أنا قادم من الأندلس، بعد أن شاركت طارق بن زياد بحرق السفن، على شواطئها.
لم تكن سفننا تحمل مؤناً، ولا متضامنين، بل مقاتلين لا يرضون بنصف الحلم، فقد أخبرنا "بن زياد" منذ البداية أن سفنه لا تتسع لأنصاف الحالمين..
كان رمل الصحراء يشرب من عرقنا، وملح البحر يزهر في حلوقنا، غير أن المعادلة ظلت واضحة: البحر من ورائنا، والعدو أمامنا.. لأننا ما تعودنا أن ندير ظهرنا لعدو.
ولأننا خبراء في حرق السفن، فقد انتدبني مولاي طارق بن زياد إلى مهمة مثيلة في "الشرق".
أفهمني أن ثمة شاطئا عربيا محاصرا يدعى شاطىء غزة، وأن قومه يعانون الإهمال والجحود، وسائر صنوف الأذى منذ سنوات.
وقال إنه يتعين علي أنا، سليل أصحاب الحلم المكتمل على شواطئ الأندلس، أن أستقل تلك السفن، التي تحاول، عبثا، الوصول إلى شاطئ غزة لكسر الحصار عن أهلها.
طلب إلي أن أحرق السفن على شاطئ غزة، وحذرني أن أقبل بـ"نصف الحلم".
وانطلقت لا ألوي على شيء.. ركبت سفن "الحرية"، مندفعا بتعليمات مولاي، ورمحي بيدي وأنا أصرخ: "الحرية لغزة".. "الحرية لغزة".
غير أني فوجئت بتلك "الكراتين" المكدسة في جنبات السفينة.. ظننت أنها معبأة بالذخائر "لزوم التحرير"، غير أن رفاق "التحرير" على ظهر السفينة أبلغوني بأنها عبوات مكتظة بـ "معونات غذائية" و"أدوية" و"حرامات" ..و.. و..
سألت: وهل يحتاج المقاتلون إلى كل هذه الأكداس من الطعام؟ هل نحن ذاهبون لحرق السفن أم لإقامة المآدب؟
أجابوا هي لأهل غزة المحاصرين.
انتفضت لحظتها وتساءلت بأعماقي: هل يحتاج المحاصر إلى الخبز أم إلى الحرية؟
وكدت أصرخ بصوت مرتفع: أهل غزة يحتاجون وقفة
"عزة" لا حنطة وشعيرا و"حرامات".. فالبندقية لا "العدس" هي ما يكسر الحصار.. وإلا لكان العصفور آثر القفص المكتنز بالحبوب على طيران "فقير"!
غير أني فضلت يا مولاي ابن زياد أن أختصر الحديث، بعد أن أقنعني رفاق "الحرية" بأن السفينة كفيلة، بـ"حمولتها" الثقيلة تلك، بكسر أعتى "الحصارات" المزمنة.
وانطلقت السفن يا مولاي تنهَبُ البحر نهبا، حتى إذا شارفنا على بلوغ الشاطئ، هيأتُ رمحي وشعلة النار كي أحرق السفن على شواطئ غزة.
بيد أني بُوغتّ يا مولاي بأن السفن شرَعَت بالاحتراق قبل أن نبلغ الشاطئ. وحين سألت: "هل وصلنا"، أجابوا كلا بل الأعداء هم من يحرقون السفن..
وما هو إلا "نصف حلم" حتى احترقنا نحن وتلك "الكراتين اللعينة"... ولا أدري كيف انعكست معادلتنا الشهيرة في الأندلس لتصبح في غزة، بل وعلى شواطئ فلسطين كلها: العدو من ورائنا والبحر أمامنا...!
سامحك الله يا مولاي ابن زياد.. ليتك علمتني أن ثمة فرقا بين أن يحرق الأعداء سفنك، وبين أن تحرقها أنت بيديك.

المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  باسل طلوزي   جريدة الغد   العلوم الاجتماعية