تحاشى النظر إلى عيني أبيه، الذي كان يحدق فيه بعيون مفعمة بالرجاء، وقال بارتباك:
-" يابه لازم أسافر، أنا تأخرت كثير، وخايف يتخربط الشغل بغيابي".
•"بس أميركا بعيدة يابه واحنا ما عدنا نشوفك غير في المناسبات.. خليك كمان شويّ عنا.. شو فيها يعني إذا قعدتلك يومين زيادة؟".
-"يابه أنا ما صدقت ألاقي الشغلة اللي كنت بحلم فيها من زمان، وما صدقت أصلا إنه طلعلي فيزا لأميركا، يعني بدك ايّاني أرجع أقيس الشوارع في عمّان؟".
•"الله يسامحك يابه.. لو كنت قبلت تسلّك في الشغلة اللي لاقالك اياها أبو محمود حتى الله يفرجها عليك وتتوظف في الحكومة، ما كان في لزوم للغربة كلها، وكان ظليت عنا بين أهلك وربعك".
انفعل باسل عند هذه العبارة، وقال محتدّاً:
-"يعني هو أنا ماخذ الشهادة عشان أصير جرسون في مطعم؟.. هاي آخريتها؟.. شو بدك يقولوا علينا الناس.. صام .. صام، وأفطر عبصلة؟".
* " الشغل مش عيب يابه.. أنا بزماني اشتغلت حرّاث عند الناس وعمري ما استحيت من حدا.. ولمّا رحلنا للمدينة اشتغلت مراسل في شركة صغيرة، وبرظه ما استحيت، بس انتو جيل ها الأيام بدكو تصيروا مدرا قبل حتى ما تتخرجوا من الجامعات".
- " الله يخليك يابه ما تحكي لحدا شو كنت تشتغل.. ترا بتفظحنا قدام الخلق.. وأنا ماصدقت انك تقاعدت.. وبعدين يمكن تأثر عليّ حتى في شغلي الجديد بأميركا".
•"دخلك يعني ما كان في رئيس أميركي زمان كان يشتغل بويجي، وافتخر مرة قدام الصحافيين بماضيه، وقال (نعم كنت ماسح أحذية .. وقد كنت أمسحها جيدا).. شو الغلط يعني؟".
•" لا يكون يابه إنت مصدق الكلام اللي بحكوا هون عن مكافحة "ثقافة العيب"، هذا كلوا خرط حكي.. أصلا اللي بحكوا هالكلام هم أول الناس اللي بقبلوش يشتغلوا غير مدرا ومسؤولين، وهم أول الناس اللي برظوش يجوزوا بناتهم لجرسون أو مكوجي.. حكي فاظي يابه.. هظولة الناس كوشوا على كل الوظايف والمصاري، وما عاد عندهم لا شغلة ولا عملة غير ينصحوا الفقرا شو يعملوا".
•"هو يابه بس نفسي أعرف شو بتشتغل في أميركا.. حظرتك مخبي علي ومش راضي تحكي شو ها السر الكبير يعني اللي مابدك تحكيه!".
-"وحياتك يابه ما بقدر أحكي، لأنهم وصوني ما أحكي لحدا عن شغلي، ولا حتى لأمي وأبوي.. هيك قالولي بالحرف الواحد!".
•"شغل .. شغل!.. وبعدين يابا لا تكون بتصنع مراكب فظائية وحنا مش عارفين؟"
اندهش باسل، واقترب من أبيه، وقال بصوت خافت:
-"شغلي مثل هيك يابه.. أنا بشتغل في الأطباق الطائرة.. بتعرفها يابه؟.. هذي اللي بتلف وبتدور وبتظوي!"
•"معقول.. يابه أطباق طائرة مرة وحدة.. والله تراك طلعت واصل وحنا مش عارفين!".
-"هيّك عرفت يابه بس بوصيك ما تحكي لحدا.. هاي أسرار خطيرة وشغلنا حساس، يعني إذا طبق ما وصل مداره في الموعد المناسب، بتصير كارثة، وإذا طبق تحطم بتصير مشكلة، وإذا طبق انسرق بعلنوا حالة الطوارئ.. دخيلك يابه ما بدي أوصيك!".
•"خلص خلص يابه .. سرك في بير غميق".
ودع باسل أباه على عجل، واتجه إلى المطار، ومن هناك إلى أميركا الشاسعة، أميركا التي حققت أحلامه كلها، إلى بلد الفرص الحقيقية، لكنه كان متوترا بعض الشيء لأنه تأخر عن عمله يوما واحدا، وجلّ ما يخشاه إذا وصل إلى عمله أن يفاجأ بطبق طائر يخرج عن مداره، ليتحطم في وجهه، لأنه يعمل في "غسيل الأطباق" بأحد المطاعم!
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة باسل طلوزي جريدة الغد الآداب