هجع "أبو السباع" على "جاعده"، متكوما كالفقمة، وهو يعبث بشاربه الضخم، وراح يقلب قصاصة الورق التي توشك أن تحترق بين يديه، من فرط عصبيته، والتي عثر عليها، أثناء تفتيشه الروتيني اليومي، في حقيبة ابنته، فأثارت شكوكه، محاولا فهم معانيها، من دون جدوى، فكل ما استطاع أن يتبينه عبارات تتحدث عن "الورود الحمراء"، و"سحر المطر المختلط بدمع العين"، و"عذوبة الحب بين قلبين طاهرين".

 

أما زوجته، التي كانت تتابع آخر أخبار حصار غزة، فكانت تحدثه عن أمر آخر مختلف تماما لا يعنيه كثيرا:

 

- "قلبي على أهل غزة يا أبو السباع .. كم سنة مضت على حصارهم، أين الشرف العربي؟"
حدج أبو السبع زوجته بنظرة تقدح شررا، فصمتت رعبا، وعاد يتمعن في الورقة ويفكر: "ما الذي تعنيه الورود الحمراء يا ترى؟.. ومنذ متى تحب ابنتي الورد.. أنا لا أذكر أن الورد دخل هذا البيت أصلا..".

 

عادت زوجته إلى الحديث:
- "بتعرف يا أبو السباع أن أحداث غزة ذكرتني بالقذائف التي سقطت على لبنان منذ سنوات قريبة، يومها لم يتحرك العرب أيضا لإنقاذ شرفهم الذي مرغته إسرائيل بالوحل!".

 

زفر أبو السباع زفرة كادت تطير زوجته من مقعدها، فعادت إلى صمتها، ومراقبة التلفاز، أما هو فانتقل إلى العبارة الثانية "المطر المختلط بدموع العينين"، وتساءل: "ابنة الكلب، من أين تأتي بهذه العبارات الغامضة، ترى ما الذي يحدث إذا مزجنا المطر بالدمع؟.. هل تقصد هذه الملعونة أنها لا تذهب إلى الجامعة من دون شمسية، مثلا، فتبكي من شدة البرد، فتختلط دموعها بالمطر؟ أنا منذ البداية لم أكن أعتزم أن أرسلها لتتعلم في الجامعة، لولا أمها هذه، التي أقنعتني أن شباب هذه الأيام لا يتزوجون غير المتعلمات، ولم أشأ أن أراها "تبور" في وجهي.. (طاعون يمزعها هيّ وإمها)".

 

لم تمض لحظات حتى انفلت لسان زوجته من عقاله ثانية، وهي تتابع خبرا عن العراق:
- "الأمريكان يسخرون منا يا أبو السباع، زعموا أنهم سيرحلون عن العراق.. وهاهم يقيمون أضخم القواعد العسكرية فيها، بعد أن أذلونا بهذا الاحتلال البغيض ولوثوا سمعة العرب وشرف العرب الذين لم يحرك منهم أحد ساكناً.. "ياميمتي عالعرب"، لا يكادون ينسون عارا حتى يتلطخوا بعار جديد، هل تذكر يا أبو السباع الشرف العربي الذي انتهك سنة النكبة، وسنة النكسة، وسنة "السحجة" حين حملونا على التصفيق لمعاهدات سلام أذلت الشرف العربي، وامتصت آخر ما في الجبين العربي من كبرياء؟".

 

احمرّ وجه أبو السباع مجددا، فعاد لسانها إلى مغارته، وبدأ هو يحاول تفسير العبارة الأخيرة في ورقة ابنته: "عذوبة الحب بين قلبين بريئين؟" .. ما الذي تقصده هذه اللعينة، ما هو الحب، أصلا؟ لا أذكر أن هذه الكلمة نطقت في هذا البيت، مطلقا، أنا منعتها تماما، أقمت حجْرا عليها، أنا حتى لم أقل هذه الكلمة لأم السبع، منذ تزوجتها، حكي فاضي! من أين أتت هذه اللعينة بكل هذا الكلام، هل يمكن أن..؟ لا .. لا أعتقد أنها تجرؤ على الحب، فهي تعلم جيدا أنني سأقطعها إرباً.. لكنها تقول "قلبين"، ما يعني أن هناك قلبا آخر.. قلبا غير قلبها.. آخ لقد فعلتها هذه المعتوهة وتجاوزت الحدود، ولا بد أن أخرسها، إلى الأبد قبل أن تمرغ شرفي بالوحل.. لا بد من ذلك".

 

لم تتنبه أم السباع إلى زوجها "المحارب"، وهو ينهض، بغتة، ويتجه سريعا إلى المطبخ، فيستل سكينا، ويعود ليمر من أمامها، والشرر يتطاير من عينيه، لكنها حين رأت السكين الطويلة الحادة، جفلت، ونهضت من مكانها، لتمسكه من رقبته وهي تصرخ" أين تذهب يا أبو السباع، إياك أن تصدق كلامي عن الشرف العربي الممرغ بالوحل، فأنا لا أقصد ذلك، لا تخرج من البيت لتدافع عنه، فشرفنا في "العلالي"، حرام من أجل أولادك".
غير أن أبو السباع دفع زوجته عنه بقوة، واتجه غاضبا إلى غرفة ابنته.

 

بقلم: باسل طلوزي.

 

 


المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  باسل طلوزي   جريدة الغد