حياة البلابسة: شهيدة المكان والزمان 

ترحب "مساحة للحوار"، باستضافة مقالة الصديقة د. بيان نويهض الحوت، الكاتبة والمؤرخة، بعنوان: "حياة البلابسة: شهيدة المكان والزمان"، واضعة النقاط على الحروف، فيما يخص الاسم والسيرة والمكانة:
"المكان فلسطين. والزمان عام النكبة.
وحياة البلابسة، تلك الفتاة الباسمة دوماً.. والممتلئة حيويةً ونشاطاً، كانت زهرةَ نيسان، ووردةَ دير ياسين،  وتُعرف في القرية الوادعة، بلقب "معلمة المدرسة"، وأهل القرية ينادونها كلما عادت من القدس: "يا ست حياة، افتقدنالك، يا ميت أهلا وسهلا.." 
ومنذ كانت المجزرة، باتت معلمة المدرسة، تعرف بـ "شهيدة دير ياسين." 
وطغت حكاية استشهادها على حياتها، فاستشهادُها أضحى حياتها، وكل ما عرفناه عنها، فلم يتوقف الباحثون طويلاً إزاء تلك الشخصية النادرة، المحبة والمعطاء والحنون، تلك الفتاة التي طغى فيها الرمز على الإنسان، وما أروعها كانت من إنسان!
والإنسان، أي إنسان، له كيان واسم وعنوان، وعنوان شهيدتنا حتى التاسع من نيسان، سنة 1948: "مدرسة إناث دير ياسين ـ دير ياسين ـ فلسطين"، عنوانٌ لا خلاف عليه، مهما غيّر الإسرائيليون من معالم القرية، ومهما حاولوا أن يمحوا بيوتها وشوارعها وأهلها من ذاكرتنا، غير أنه من غير الجائز ولا المسموح به أن تتعرض الشهيدة حياة نفسها لسيل من الأقوال حول اسم عائلتها، حتى من قبل ذويها. أهي من البلابسة أم البلبيسي؟ 
صحيح إن الاسم مسألة تبدو ثانوية إزاء جوهر الإنسان، لكن أحداً لا يرضى بأن يتعرض اسمه لعامل الشك.  والطريق لمعرفة الحقيقة ـ في هذه المسألة ـ طريقان متكاملان:الطريق الأول في اتباع النهج التأريخي المعروف، فماذا قال المؤرخون والكتّاب الموثوق بهم؟ وماذا تقول الوثائق؟  والطريق الثاني طريق التأريخ الشفهي، بالتوقف عند تاريخ فلسطين في عام النكبة، والمرور بكلية دار المعلمات في القدس، وبالمدرسة الابتدائية للإناث في دير ياسين، وبقرع أبواب الذين عرفوها عن كثب، من معلمات وصديقات، وسؤالهم عن اسمها يوم عرفوها، ويوم استشهدت. 
أكتفي بين الكتب الصادرة عن دير ياسين بمرجعين، أولهما كتاب شيخ المؤرخين الفلسطينيين المعاصرين وليد الخالدي: "دير ياسين: الجمعة، 9/4/1948"، وقد صدر سنة (1999)، وفيه روى الخالدي ما قالته تلميذتها سكينة، ابنة عزيزة اسماعيل عطية، والتي كانت يومذاك في  الصف الثاني الابتدائي، فالسيدة سكينة تقول عنها إنها المعلمة حياة البلابسة، وإنها كانت تأتي من القدس يومياً قبل إقفال الطريق الرئيسية، لكنها بعد ذلك أصبحت تنام في دير ياسين وتزور أهلها بين الحين والآخر عن طريق عين كارم الوعر . وكانت آخر لحظات شاهدتها فيها يوم المجزرة، فتروي أن المعلمة كانت تساعد النساء على الهروب، وهي ترتدي ثوب نومٍ أصفر اللون(ص 78). ويضيف داود زيدان أن المعلمة رفضت الهروب إلى عين كارم، وقالت له: "كيف أترك الناس يموتون وأهرب. أتمنى أن أقتل هنا." وأشارت بإصبعها إلى جبينها وعادت إلى القرية. ويكتمل مشهد الاستشهاد بشهادة أم عيد، زوجة محمد مصطفى عيد، فهي التي رأت المعلمة المسعفة أمام منزل عيسى أحمد عليا، تحاول إسعافه وهي راكعة إلى جانبه، غير أن الرصاص الذي انهمر من حولها أصابتها منه رصاصة في جبينها، فسقطت فوق الجريح، وكلاهما فارق الحياة. (ص 79).

المرجع الثاني يحتوي على مجموعة مقالات بالإنكليزية: "لنتذكر دير ياسين: مستقبل إسرائيل وفلسطين"، تحرير دانييل ماك غون ومارك إليس (1998)، ونتوقف عند مقال الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي بعنوان: "نهاية البراءة"، وسلمى صاحبة مؤسسة بروتا للترجمة ـ الأكثر شهرة في الأوساط العالمية للتعريف بالفكر العربي ـ تكتب هذا المقال بالذات بصفتها معلمة الأدب العربي في كلية دار المعلمات بالقدس، يوم كانت حياة البلابسة التلميذة المفضلة لديها، وهي تكتب بروحها وذكرياتها وإنسانيتها، وليس في استطاعة أحد أن يكتب عن "حياة البلابسة" ما لم يقرأ مقال معلمتها عنها، فيعرف كيف تحولت الفتاة الوادعة الخجول إلى صاحبة الشخصية الجريئة والقوية المعطاءة (ص 25-34).
أنا لا أنسى يوماً بارداً قليلاً من أيام سنة  1946 ، عندما رن التليفون في بيتنا في القدس، وإذ بوالدي يخبرني أن سلمى ابنة خالتي، ستأتي لزيارتنا بعد قليل مع إحدى تلميذاتها، وطلب مني أن أفتح للضيفة غرفة مكتبته، فهي تريد  استعارة بعض الكتب. ووالدي كان دائم الثقة بي على الرغم من صغر سني، وقد كنت معتادة على أن آتي له بما يحتاج إليه من رفوف مكتبته. 
عرّفتني  سلمى على تلميذتها: "حياة البلابسة." وقالت لي إنها تعدّ حديثاً للإذاعة. وغادرتنا سلمى، وبقيتُ مع الضيفة التي تزورنا أول مرة، وتتصرف كواحدة من أهل البيت.  ما قامت مرة لتأتي بكتاب ما إلا وسألتني عن مدرستي أو مطالعاتي. الابتسامة لم تفارق شفتيها وهي تحدثني، حتى عيناها كانتا تضحكان، ما أجملهما، وكان شعرها أميل إلى الطول، ومجعداً قليلاً، وقد أبعدته عن وجهها بشريط زاهي اللون. كم تمنيت من أعماقي أن أصبح مثلها عندما أكبر.. أن أكتب، وأنشر، وأذيع الأحاديث على الراديو. 
كبرتُ أنا، غير أن حياة البلابسة لم تكبر. استشهدت في أوج العمر والعطاء. وبقيتْ بالنسبة لي مَثَلاً أعلى.  
آه. كان هناك سؤال في البداية؟ هل أجبت عليه؟ 
نعم. فالاسم المعتمد هو ما عُرفت به في القدس، وفي دير ياسين، وفي كلية دار المعلمات، وفي سجلات إدارة المعارف يوم عُينت معلمة، وفي نعيها الرسمي يوم استشهدت.
نعت إدارة المعارف الحكومية باسم الأستاذ أحمد الخليفة، مفتش معارف لواء القدس، الشهيدة حياة البلابسة، فنقرأ في جريدة فلسطين، عدد الأحد، الموافق 11 نيسان 1948، في الصفحة الثالثة خبراً مستقلاً بعنوان: "إدارة المعارف تنعي معلمة شهيدة"، وفي النص يرد اسم شهيدة دير ياسين كما هو في سجلات إدارة المعارف: "حياة البلابسة".
 
 
وهكذا، في أسبوع واحد، بينما كانت القدس تودع شهيدها القائد الكبير عبد القادر الحسيني، كانت دير ياسين تبحث عن ضحاياها لتودعهم... 
لم تجِدْ دير ياسين كل ضحاياها.. 
لم تدفن دير ياسين كل ضحاياها.. 
غير أن فلسطين وجدتهم.. ففي أعماق القلوب هم.. وفي سجلات الشهداء هم.. ونحن نحيا على أمل اللقاء بهم.. وبإخوانهم من الشهداء الأبرار".                           
 د.  بيان نويهض الحوت 
 
                                     

المراجع

www.al-ayyam.ps

التصانيف

ظواهر فلسطينية   العلوم الاجتماعية