المنفى:سجن الروح وجفاف الجسد 

تستوقفني أخبار الأسرى المبعدين والمبعدات خارج الوطن، وداخل الوطن؛ من بين كافة الأخبار التي أستمع إليها وأقرأها يومياً. أتابع أخبارهم بلهفة شديدة، لا يدركها إلاّ من اكتوى بنار الإبعاد، وعرف معنى الخروج من رحم الطفولة الأولى، والدخول في عالم المنفى.
 
سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي تبعد ثلاثة معتقلين إلى قطاع غزة في 24 تشرين ثاني 2003، إسرائيل تبعد فلسطيني من مخيم جنين إلى الأردن في 2 كانون أول 2003، قرارات الإبعاد طالت 26 أسيراً حتى تاريخ 13/1/2004. 
 
خبر صغير في صحيفة بين الحين والحين، يمر عليه الكثيرون مرور الكرام، وأقف عنده لأذكر لحظات وساعات وسنين، حفرت طويلاً وعميقاً في الذاكرة.
 
ما كانت الطفلة ذات الستة عشر ربيعاً لتظن أن خروجها من فلسطين العام 1969 سوف يكون بداية رحلة ما بين المنافي المتعددة، وبداية اللااستقرار والشتات اللانهائي. لم تكن لتتخيل أنها سوف تفقد ذاك الإحساس الطفل مرة واحدة وإلى الأبد، وأن أية عودة إلى المكان، لن تعوض ذاك الجرح الغائر في دهاليز الروح، الذي لازمها طيلة حياتها.
 
ألم غير مرئي يعتصر القلب، حين تحضر صورة الطفلة ووالدتها وهما تجلسان فوق حقيبتهما بانتظار حافلة تقلهما إلى الأردن. وهما تستقبلان المهنئين بالسلامة من الأسر. وهما تستبدلان الضحك من القلب بتشنج عضلات الوجه. والطفلة تشاهد فيلماً عربياً، بينما الدمع ينهمر على الوجنتين. إحساس غامر بالذنب حين الاستمتاع بأي طعام لذيذ أو جلسة جميلة أو أي مظهر من مظاهر الحياة الطبيعية. 
 
ينمو الأمل مع كل طلعة نهار، ويغدو رفيقاً دائماً يصاحب الصبية في حلها وترحالها، وفي المنافي العديدة التي أقامت فيها، ورحلت إليها. حملت حلمها في حقيبتها المعدة دوماً للسفر، واحتفظت به طازجاً عبر السنين. وحين أمكنها أن تعود إلى الوطن، مع بعض من أتيحت لهم العودة، بعد سبع وعشرين سنة؛ أبت الطفولة أن تستجيب. بإصرار وعناد احتفظت بالمكان/الحلم، المكان/الساحر، وسوّرته بسور منيع، ولم يكن سهلاً إعادة الصلة بالمكان؛ بعد عودة منقوصة.
من سوف يدرك عذاباتكم وعذابات أطفالكم أيها المبعدون داخل الوطن وخارج الوطن! أين السماء الذي سوف تلتحفون وأين الأرض الذي سوف تفترشون؟! كيف يمكن أن نقيس عذاباتكم؟! وبأي مقياس سوف نقيسها؟! من سوف يدعو إلى محاكمة قتلة الأحلام إلى جانب محاكمة قتلة الأبدان؟! أين مكانكم في هذا العالم المفترس، وفي هذا الزمن الحالك السواد؟!

النَّوافِذٌ الْمَكْسورَةٌ؛ نُصْلِحٌها. الأَبْوابُ الْمَخْلوعَةُ؛ نُثْبِتُها. الْجُدْرانٌ الْمَشْروخَةُ؛ نَبْنيها. الشّوارِعٌ المَحْفورَةٌ؛ نَرْصٌفُها. الْكُتُبُ الْمَحْروقَةُ؛ نَحْفَظُها. الأَمْلاكُ الْمَسْلوبَةُ؛ نُرْجِعُها.
 
وَلكِنْ 
مَنْ
 
يُصْلِحُ النّفوسَ الْمَكسورةْ
يَبْني الثِّقَةَ الْمَشروخَة
يَرْصُفُ الأَحْزانْ الْمَحْفورَةْ
يُعيدُ الأَحْلامَ الْمَسْلوبَة
 
مَنْ يُعيدْ
 
بَسْمَةَ الرّوحْ
سَعادَةَ الّلِقاءْ
صَفاءَ القَلْب
ْ طَعْمَ الأَمَلْ
 

المراجع

www.faihaab.com

التصانيف

ظواهر فلسطينية   العلوم الاجتماعية