في مبادرة رياديّة لمحافظة نابلس، وفي تقرير خاص بالانتهاكات الإسرائيلية خلال العدوان على محافظة نابلس نيسان 2002؛ نقرأ جهداً جاداً لتوثيق هذه الانتهاكات ومجازر الحرب ضدّ الإنسانيّة، التي ارتكبت بحقّ شعبنا الأعزل على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي. أعدّ هذا التقرير: فريق وطني شكل لهذا الغرض؛ تحت اسم: اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق في مدينة نابلس. كما قامت المحافظة بتوثيق العدوان والاجتياح بالكاميرا، وأنتجت فيلماً توثيقياً عن هذه الانتهاكات.
وقد لجأت اللجنة المختصة إلى أسلوب الشهادة المشفوعة بالقسم سبيلاً للتوثيق.
وعلى أهمية ما قامت به اللجنة؛ إلاّ أنني أحسست بأن جهداً آخر يمكن أن يضاف إلى هذا الجهد، وهو ما يحتاج إلى عمل مؤسسي كبير، يتعلق بتوثيق معاناة الشعب النفسية والاجتماعية بطريقة علمية ومتخصصة.
ابتسام قمحية/الرطروط- التي تسكن حي العطعوط، وتبلغ من العمر واحداً وخمسين عاماً، وتنهض بأعباء زوج وثلاثة أبناء: ولدين في التاسعة عشرة والعشرين، وصبية بلغت الثانية والعشرين، تحدثت حديثاً حاراً موجعاً عن معاناتها ومعاناة حارتها، وبلدها؛ وفي اللحظة ذاتها تحدثت حديثاً مؤثراً ساحراً عن صمودها، وصمود حارتها، وبلدها:
 
"أنا إنسانة بعاني من كل شيء. ماتت إمي وتركت لي إخوتي، ربيتهم وعلمتهم. تعلمت لتاني إعدادي. ثالث يوم عرسي كنت على باب السجن. أخوي مصدر قوتي، اغترب وسكن في الجزائر، سبعتاشر سنة في السجون. خرج بعين واحدة ومصارين بلاستيك. إجا هون ما أنصفوه. رجع للأردن. مأساة بتدق مأساة. الست فضفاضة والرجّال دمعته بعيدة. دخلت مدرسة الحياة. بسمع راديو، بقرا قصص من مكتبة البلدية، قريت البؤساء، بائعة الخبز. اشتغلت خياطة، في معمل ملبّس، في مدرسة التمريض.
 
في الاجتياح، ولما قالوا بدهم يهدوا الحوش، كانت طيارة الأباتشي بتقصف صبانة دار كنعان، والصبانات اللي فوق، الجامع اللي فوق السمرا. ثلاث صواريخ انضربوا على الحوش. خرجنا وظلينا نركض من حوش العطعوط للدير: اللي خرج بحفّايته، بأواعيه. أخوي كان عندي مبعد وسياسي. اجوا ناس وقالوا: نسفوا الحوش. صار عنده حالة نفسية: انهيار عصبي، لحد الآن. وين بدنا نروح؟! البعض نام في المدرسة. إحنا ضفنا عند دار الشافعي. ما قعدنا ونسينا الحوش، كان همنا نطّمّن على البلد، بذكاءنا كنا نعبي البيليفونات. اتصلنا في الجزيرة وخبّرناها على اللي بيصير. رحنا نطّمّن على الحوش وعلى البلد القديمة: هو فيلم كرتون؟! هو فيلم رعب؟! الجثث مرمية، مجاري فايضة، كهربا مقطعة، الحرايق، لا حول ولا قوة إلاّ بالله. بعافيتك. طز في المال، طز في كل شيء. إحنا مستعدين نبني، نناشد اللي برّة يرجعوا لجوّة. كل واحد خرج لازم يرجع في البلد القديمة. شمّرنا، نظّفنا الحوش، قمنا الخمّة، وكتبنا: الرجاء المحافظة على نظافة الحوش. حوشنا فات التاريخ من أوسع أبوابه. فتحنا بيوتنا، نلعب بالحارة. إحنا قويين الأعصاب، حطينا كراسي للستات الكبار، وقلنا بدنا نقعد في بيوتنا ونشرب أراجيل ولا كإنّه فيه احتلال. إحنا شعب ذكي وفصيح. بدك وطن وبدك تضحية وبتخافوا تدخلوا الحوش؟! حركة التحرير انطلقت منّه. عملت قعدة ودعيت الستات، اجت 18 ست، حوشنا تعمّر قلتلهم وتعالوا زوروني، تمتعوا بالقعدة، ضيفوني، عملتلهم قالب جاتوه وست أراجيل، والسابعة معسّل، و(يا ولد لُفِلَّلكْ شاي). بيوت البلد القديمة الفاضية بدنا تتعبّا. حكايتنا بدنا نحكيها بطريقة مرتبة: اشتغلنا إشي في الطبيخ، وإشي في الإعلام.

أنا عانيت وكنت جندي مع الجنود، أنا شيرين أبو عاقلة نابلس. كيف كنا نتصرّف؟! ندبّر، نعوّض من البقوليات ونطبخ. بنموتش. ما ظلّش حدا ما خزّنش. الست حمّالة الأسيّة للزوج وللوطن. مش جيعانين ولا عريانين. لو نفهم، لو يفهموا العالم: ليش بنعمل انطلاقتنا! إحنا ما بدنا إشي، ما بدنا مساعدات. يشغلوا ولادنا بسّ. الشخص المناسب في المكان المناسب".
 
أيّة قوّة، وأيّة حياة في شهادة الراوية! أيّة دروس سياسية يمكن استخلاصها من خلال شهادتها العفوية! أدركت ابتسام أن العمل وحده لا يكفي، وأن الإعلام وحده لا يكفي، وأن عليها أن تعمل وأن تتحدث عن عملها، وأنّ واجبها ألاّ تسكت عن الجرائم التي تقترف بحقّها وحقّ شعبها. أدركت قيمة دورها الفاعل الإعلامي، فأكّدت ذلك، ونموذجها شيرين أبو عاقلة: المذيعة الشجاعة - التي تَعْمَل وتُعْلِم- التي ساهمت في تغيير الصورة النمطية للمرأة؛ إلى صورة مشرقة إيجابية. رأت بحسها الثاقب خطورة إخلاء البلدة القديمة، ولم تكتف بهذه الرؤية؛ بل عملت على إيصال فكرتها من خلال محاولة بعث الروح في المكان. استضافت النساء في بيتها، ولم تتحدث معهن عما يمكن أن يشعرهن بالملل، أدركت أن ما يحتجنه هو قليل من البهجة، وأن ذلك كفيل بجذبهن إلى بيتها؛ ففعلت. نبذت قيمة التسول، وأعلت من قيمة العمل؛ من خلال طلبها العمل لأولادها وأولاد بلدها.
 
لم تتوقف الراوية عن الحديث بكل حواسّها، كانت تتحدث بعينيها، ويديها، وروحها؛ ما كان يمكن أن يشكّل مادة خصبة لفيلم تسجيلي هامّ؛ يحكي تجربة المرأة الفلسطينية العادية فترة الاجتياح. أضعف الإيمان كان توثيق حديث الراوية، بواسطة كاميرا فيديو كانت تحملها الكاتبة: د. سمية ناصر.
وإذا كانت لدينا روايات وشهادات يمكن أن تهزّ ضمير العالم؛ فلماذا لا نسجلها ونترجمها إلى لغات العالم؟! وإذا كانت لدينا مادة خصبة لأفلام توثيقية يمكن أن تلعب دوراً إعلامياً بعيد التأثير؛ فما الذي يمنع أن توثّق بشكل يمكن الاستفادة منه في إنتاج يطوف العالم؟!
ثمّ، من يحفظ مثل هذه الروايات للأجيال القادمة وللتاريخ؟! من يحمي الذاكرة من الضّياع والتّشويه؟! وإذا كان التاريخ يحتاج إلى وثائق، وإذا كان المنتصر هو الذي يكتب التاريخ، ويمكن أن يزوّر التاريخ؛ فإن الشعب الذي يصنع التاريخ؛ مدعو إلى كتابة تاريخه بنفسه، ليصنع أرشيفه بنفسه. ومن المهم أن تصنع الوثائق بشكل قابل للبقاء عبر السنين، لا كمادة صحفية قابلة للتلف السريع. ولا شك أن هذا الجهد يستلزم جهداً مؤسسياً حتى يمكن تنفيذه بشكل علمي، يكون قابلاً للحياة، والبقاء عبر الزمن، والاستقرار في متحف الذاكرة.
 

المراجع

د.فيحاء عبد الهادي

التصانيف

ظواهر فلسطينية