أسئلة كثيرة تلحّ عليّ، منذ أصبح الإصلاح الدّاخليّ الفلسطينيّ، يستقطب اهتمام كتّابنا، وبعض كاتباتنا، ويتصدّر مقالاتهم/ن متزامناً بذلك مع اهتمام فضائيّاتنا العربيّة، وأجهزة إعلام أعدائنا. ومن الّلافت للنظر أنّ الموضوع، لا يحتلّ نفس القدر من الأهمّيّة والأولويّة لدى جماهير شعبنا العاديّة، رغم أنّها تواصل استعدادها العالي للتّضحية، من أجل القضيّة الوطنيّة حتّى الشّهادة.
ما الّذي يجعل الحديث حول الإصلاح الدّاخليّ، والعمل الدّيموقراطيّ ممجوجاً عند الغالبيّة العظمى من جماهيرنا؟ هل هو يأس من إمكانيّات الإصلاح؟ هل تكره جماهيرنا صناديق الاقتراع؟ أم إنّها تؤمن بنظريّة المؤامرة، ولا تؤمن بنزاهة الانتخابات؟ أم هو الإيمان بضرورة دحر الاحتلال، قبل الحديث عن الإصلاح والدّيموقراطيّة؟
أعتقد أنّ جماهيرنا قد ملّت الحديث، حول المفهوم وممارسة نقيضه في ذات الوقت، ملّت وعود الإصلاح، دون ممارسة الإصلاح، لم تر النّموذج المقنع، فأدارت ظهرها وسخرت من العبارات الكبيرة الطنّانه، في وقت تجابه فيه إعادة احتلال الأراضي الفلسطينيّة، وتقطيع أوصالها، وتهديد المشروع الوطنيّ برمّته.
تضع الجماهير الّلوم على السّلطة الوطنيّة الفلسطينيّة، الّتي لم ترس تقليداً في العمل الدّيموقراطيّ، بل كرّست الفئويّة، ونظام التّعيينات، غير المهني، الّذي أسهم في إعادة إنتاج القبليّة بشكل جديد، كما ساهم التفرّد بالقرار، في إلغاء دور المؤسّسات والأطر والهيئات التّشريعيّة، وجعل النّاس تنظر بريبة إلى أيّ كلام يصدر عن المسؤولين الرّسميّين، حول ممارسة ديموقراطيّة.
ولكن، هل يقتصر ذلك على السّلطة؟ ماذا عن مؤسّسات المجتمع المدني؟ هل رسّخت نهجاً مغايراً؟ هل أوجدت آليّة للمحاسبة؟ هل زرعت تقاليد ديموقراطيّة في عملها المهني؟ أم إنّها نظّرت لها ولم تمارسها، وكتبت مشاريع تمويل لبرامج حقوقيّة ديموقراطيّة؛ تسعى لنشرها في المجتمع، وأبقت الدّيموقراطيّة شعاراً على الورق، بينما مارست سياسة التفرّد في مؤسّساتها، وجمعيّاتها وتنظيماتها، وقامت بتدريب فئات المجتمع المختلفة، على حقوق الإنسان، ووجوب احترامها، وكتبت التّقارير والأبحاث، عن انتهاك حقوق النّاس في المجتمع، بينما انتهكت حقوق العاملين والعاملات في مؤسّساتها دون أيّ اعتبار لحقوقهم/نّ!
ثمّ هل تقع مسؤوليّة إصلاح البيت الدّاخليّ الفلسطينيّ على الرّجال فقط؟ أين النّساء من عمليّة الإصلاح؟ كيف يرين أنفسهنّ؟ هل هنّ في موقع الشّريك أم في موقع التّابع؟ هل يرين أنفسهنّ الأمّهات النّاصحات، حارسات شعلة نار الثّورة، أم الشّريكات الّلواتي يعطين المثل والقدوة والنّموذج، من خلال هيئاتهنّ وتنظيماتهنّ وتشكيلاتهنّ النّسويّة الدّيموقراطيّة؟
هذه الأسئلة ألحّت عليّ بعد قراءة رسالة نساء فلسطين، هيئات ومنظّمات وأطر كفاحيّة، إلى سيادة رئيس الّلجنة التّنفيذيّة لمنظّمة التّحرير الفلسطينيّة / رئيس السّلطة الوطنيّة الفلسطينيّة ، بتاريخ : 5/6/2002.
هذه الرّسالة الّتي أتت لتثمّن الخطوات الّتي اتّخذها سيادة الرّئيس في مجال إصلاح البيت الدّاخليّ الفلسطينيّ، لتصليب بنيانه في مواجهة المؤامرات الّتي يحيكها أعداء شعبنا الفلسطينيّ، على طريق الإصلاح الجذريّ لكلّ مناحي حياتنا……………..الخ (طاقم شؤون المرأة: الأيّام: ص 4).
لا عيب في مضمون الرّسالة - كما أرى- بل إنّها تتوافق مع ما يتطلّبه المجتمع، من إعادة بناء، وتنسجم مع الرّؤية الواقعيّة، الّتي تثمّن الإيجابي، وتستبعد السّلبي، وتدعو إلى استكمال العمليّة الدّيموقراطيّة، باستخدام آليّاتها.
عيب الرّسالة - فيما أرى - يكمن في عزل النّساء عن عمليّة الإصلاح والتّغيير، حين يتحدّثن بلسان الأمّ/ الأخت، الّتي ترشد إلى الصّواب عبر الثّناء والتّشجيع، قبل توجيه النّصح الأمين، دون أن ترى دورها، ضمن هذا السّياق.
ترتاح المرأة وتستكين حين يقال: "نريد الرّجل المناسب في المكان المناسب"، وتردّد المرأة هذا الشّعار الإصلاحيّ، بدورها، بأعلى صوتها، إذ لا أحد يردّد "ضعوا المرأة المناسبة في المكان المناسب" فلقد درجت العادة لدى قياداتنا أن يضعوا ضمن تشكيلاتهم الوزاريّة، ونقاباتهم الشّعبيّة، وبعض تنظيماتهم السّياسيّة، بعض النّساء (امرأة واحدة – غالبا ً- كما هو في مجلس الوزراء، اثنتين أو ثلاثة على الأكثر، كما هو في القيادة السّياسيّة، لبعض التّنظيمات السّياسيّة اليساريّة)، حتّى يرضوا النّساء، ويرضوا جماهيرهم، ويرضوا ضمائرهم، ويديروا الظّهر بعدها للكفاءات العديدة من النّساء.
تعوّد المجتمع أن يرى الرّجل في مركز صنع القرار، وتعوّدت النّساء على ذلك أيضاً، فلا عجب أن نراها تردّد في المسيرات: إحنا رجالك يابو عمّار" أو "إحنا رجال ال 17"، لذلك تعوّدت أن تسدي النّصح للرّجال، ووجدت من واجبها أن تخاطب مركز القرار الفلسطيني الأعلى: الرّئيس أبو عمّار، مطالبة بإعادة الاعتبار إلى كلّ الهيئات التّمثيليّة، الشّعبيّة منها والرّسميّة، ودعت أن يكون صندوق الاقتراع، الطّريق الوحيد، للوصول إلى هيئات صنع القرار، وقمّة الهرم في أيّ مؤسّسة.
وإذا كانت دعوة النّساء صريحة وصحيحة وجريئة، فهل يجري تطبيق تلك الرّسالة، وتلك المبادئ، في مؤسّسات المرأة وتنظيماتها وجمعيّاتها؟ وإذا كنّا أكثر تحديداً: هل يجري الاحتكام إلى صندوق الاقتراع، عند النّساء الّلواتي رفعن رسالة، إلى مركز صنع القرار الفلسطيني الأعلى؟ وإذا كنّا نتحدّث عن مبدأ المحاسبة والمساءلة، فهل هناك من يحاسب ويسائل الهيئات والمنظّمات والأطر الكفاحيّة الّتي تتحدّث الرّسالة باسمها؟ أم إنّها فوق المحاسبة والمساءلة؟
(في سؤال للأخ الرّئيس في فندق كازابلانكا، عندما دعا بعض فئات المجتمع للتّشاور والنّقاش، سألته حول ضرورة تفعيل المنظّمات الشّعبيّة؟ (وينسب عدم إجراء أيّ انتخابات في الاتّحادات الشّعبيّة لقرار الرّئيس) فأجابني بذكائه الحادّ: ما تفعّلوها! فعّلوها وحاسبوني).
لماذا لا تعتبر تلك الاتّحادات ذلك إعلاناً رئاسيّاً علنيّاً؟ ولم لا تبادر كلّ مؤسّسة للنّظر في أوراقها وقانونها قبل أن تحاكم الآخرين؟ ولتقرأ تاريخ آخر احتكام لها إلى صندوق الاقتراع، لتراجع أوراقها، ولتقف وقفة نقديّة أمام أدائها، ولتستيقظ مجالس أمناء المؤسّسات والمراكز، أو الجمعيّات العموميّة لهذه المؤسّسات والمراكز، لتراقب وتسائل وتحاسب.
لنغسل مصطلحاتنا من الشّوائب الّتي علقت بها، من خلال الممارسات المعكوسة لها، حتّى تعود لكلماتنا معانيها، ولنعد إلى قاموس الّلغة، حيث الإصلاح يعني زوال الفساد، لا موقعاً وزاريّاً أو أصواتاً انتخابيّة، وحيث الدّيموقراطيّة تعني السّيادة للشّعب في الحكم (سياسيّاً) وأسلوب حياة يقوم على أساس المساواة وحرّيّة الرّأي والتّفكير (اجتماعيّاً)، وليست مشروعاً مكتوباً لضخّ التّمويل، أو تذكرة سفر لمؤتمر، وحيث عبارة "الشّخص المناسب في المكان المناسب" تعني المرأة والرّجل المناسبين للموقع والمسؤوليّة المحدّدة، ولا تعني المرأة والرّجل من نفس الطّائفة والّلون السّياسيّ، وتعني أهل الكفاءة لا أهل الثّقة، وحيث العدوّ يساوي العدوّ الرّابض أمامنا وخلفنا، وليس من نختلف معه بالرّأي.
عندما نعيد للمصطلحات معانيها، عندها، عندها فقط، نستطيع أن نقدّم نموذجاً يُحتذى في الممارسة الدّيموقراطيّة، ونشرع جميعاً، نساءً ورجالاً، في عمليّة البناء المرتبطة بالتحرّر والاستقلال، وتهتمّ جماهير شعبنا العاديّة بموضوع الإصلاح وتوليه الأولويّة الّتي يستحقّها.
المراجع
د.فيحاء عبد الهادي
التصانيف
ظواهر فلسطينية