خرج.. ولم يخرج!
شاب في أواخر العمر، يرتدي "بيجامة" مختلطة الألوان، وينتعل فردة صندل واحدة، ويحمل حقيبة ديبلوماسية بداخلها وثائق مهمة حول القوميات المندثرة، وتلك التي على الطريق!
عاد إلى منزل ذويه عقب غزو الخليج فاقد الوعي، ولم يعرف السبب حتى هذه اللحظة، لكن يروى أنه حين شاهد أرتال الدبابات الأميركية من على شاشة التلفاز، وهي تمخر عباب الصحراء العربية، اندفع كالمجنون في الشوارع، وراح يرقص بإيقاعات همجية، ويغني بصوت أشبه بطواحين الشرايط، مقاطع من قصيدة "طلوا حبابنا طلو"!
للتذكير: هذا الشاب كان، دوما، ميالا للصمت، متبلد الأحاسيس، لم يبتسم منذ بدأ يقرأ التاريخ، ويستمع إلى أغاني سيد مكاوي، خصوصا تلك الأغنية المتعلقة بالأرض ونوع لغتها!
وعلى ذكر اللغة، فهو يتقن عشر لغات عالمية، باستثناء اللغة العربية، بحجة أن مفرداتها تتضمن سجعا منفراً إلى أبعد الحدود، كالحدائق والمشانق، مثلا، أو كالبلابل والمقاصل!
صفاته: منخور الأسنان، أغبر الشعر، ذو رائحة نفطية، لاسيما وأنه دلق مئات الغالونات من البنزين والكاز هباء، ظنا منه أنه سيخلص الأمة من لعنة النفط!
تحذير: هذا الشاب خطير جدا، وقد تأكدت نزعاته العدوانية منذ منعته إحدى الدول العربية من دخول أراضيها، بحجة أنه لا يحمل "فيزا"، فما كان منه إلا أن مزق جواز سفره إربا إربا، وهدد موظف الحدود بأنه سيعود ثانية، وسيجتاز الحدود ولو على ظهر دبابة!
كما ألقي القبض عليه، مرة، وهو يركض عاري الصدر في الشوارع، بحجة الاحتفال بالمطر!
ورُمي مرة من الطابق العاشر بعد أن حاول اقتحام اجتماع مهم لمجلس إدارة إحدى الشركات الضخمة ليقرأ عليه شعرا.. "وربنا ستر" لأنه وقع على فوهة "منهل" مفتوح!
كما أنه مطلوب، حاليا، لواحد وعشرين مشفى للأمراض العقلية، في إحدى وعشرين دولة، بعد أن تقدم بطلب إلى الجهات المعنية في تلك الدول لافتتاح "كشك" صغير على الرصيف، لبيع الأحلام الوردية للمواطنين!
ملاحظة: هذا الشاب مولع بالديناصورات، كثيرا، إلى الحد الذي يزعم فيه أن الديناصورات لم تنقرض بعد، وقد قاده هذا الإصرار إلى افتتاح متحف لها في بلده، وبدل أن يضع فيها هياكل ديناصورات قديمة، وضع صورا عديدة لمسؤولين، وراح يدعو الناس لدخول المتحف، مجانا، وقد سجن على إثر ذلك سنوات عديدة!
ملاحظة أخرى: هذا الشاب مطلوب أيضا بتهمة التحريض على الأمية، لأنه يتجول على المدارس ويقول للطلبة "سواء عليكم تعلمتم أم لم تتعلموا فإن القاري و(...) واحد في بلادكم، والأجدى لكم أن تتعلموا في "أكاديميات" الفهلوة والاحتيال عند أقرب مفسد أو نصاب كي تنسجموا مع متطلبات "المرحلة"!
ملاحظة ثالثة: الشاب المذكور، مطلوب، أيضا، بتهمة القضاء على "البغال"، فهو ما إن يرى بغلا حتى يجهز عليه. وقد أجاب في التحقيقات المجراة معه، حول هذا الموضوع، أنه يكره البغال، لأنها تمثل رمزا لعقم الأمة من جهة، ولأنها أصبحت رمزا للمنّ السياسي من قبل الأنظمة العربية، التي ما إن تمنح شعوبها قدرا بسيطا من الحرية، حتى يعاودها الندم، فتعود إلى سحب تلك الحريات بأشكال شتى، إلى الحد الذي بات يصدق عليها المثل الشعبي القائل "بايعنا بغلة"!
"ملاحظة أخيرة": كل من يتستر على هذا الشاب يعرض نفسه للملاحقة الجزائية والدولية، والمطلوب الإبلاغ عنه فورا حال مشاهدته، وستوزع صور له في كل مكان، وستلصق صور، أيضا، على الحوائط، وفي أماكن التجمعات الكبيرة!
ويبقى أنه لمن لا يعرف شيئا عن هذا الشاب أن يتوجه إلى أقرب مرآة إليه، ويحدق فيها مليا!
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة باسل طلوزي جريدة الغد العلوم الاجتماعية