كنت أستمع لأصوات فرقة أوج تشدو، وكنت أغنّي معها، بينما أتوجّه إلى جامعة بيرزيت لإعطاء المحاضرة الأخيرة ما قبل الامتحانات النهائيّة.
تأكّدت من زميلتي التي تبدأ محاضرتها في الثامنة، أن الطّريق سالكة، حيث ذكرت أنّها لم تصادف حاجزاً واحداً يعطلها اليوم. كان هذا في الساعة السابعة والنصف صباحاً، وقبل نزولي من البيت تأكدت مرة أخرى من سكرتيرة معهد دراسات المرأة أن الوضع ما زال مطمئناً.
سررت لحكمتي وحذري، وصمّمت أن أسلك هذا السلوك في كل مرة أذهب بها إلى الجامعة. مضيت في طريقي أدندن بالأغنية: كان يا مكان .. على شطّ النيل .....
كان يا مكان؛ فإذا بالدبّابة أمامي، تخرج لسانها، تسخر من حكمتي، ومن حذري، ومن القبطان وماريا معاً! رفعت صوت المسجّل، وأقفلت النوافذ، وعلا صوت صفاء: كان في صبيّة اسمها بهيّة. ما أجمل صوتك وما أجمل أصوات الجوقة! مرّت أمامي صورة سيارة أخرى تقف على حاجز قلنديا: سيارة الفنان خالد جبران، مدرّب فرقة أوج، الذي كتب عن تجربتة الشّخصيّة المريرة، ما بين القدس ورام الله.
كان في صبيّة اسمها ماريا! هل هي ماريا أم بهية؟ لماذا أسمعها بهيّة؟ هل فقدت حاسّة السمع؟ أم إنني أسمع ما أريد؟ أم إنها بهيّة تصرّ على الحضور والمشاركة!
ارتسم أمامي القبطان، ومشت أمامي بهية وماريّا، واحدة تمسك حقيبة الجامعة على ظهرها، والأخرى تمسك كيس الخضار بيد، وطفلها الصغير بيد أخرى. يمشي رجل على عكاز، وآخر على الريح، تجلس عجوز لا تقوى على مواصلة السيّر؛ لتستريح على قارعة الطّريق، يستقلّ البعض سيّارة أخرى على الجانب الآخر من الحاجز، والبعض الآخر يمشي ويمشي .. تختلط الألوان وتتشابك: الأخضر والأصفر، البني والرمادي، الأحمر والأسود.
لم أتمكن أن أحذو حذو طلابي، فقد تورّطت واقترفت جريمة قيادة سيارتي مطمئنّة لحكمتي! هل تخونني؟ كان يجب أن أقدّر أن الوضع يتغير بين دقيقة وأخرى، بل ثانية وأخرى، وليس من ساعة لأخرى!
بدأت بالتفكير في الوقت المسروق من الطلاب، راجعت الموقف لاستدراك ما يمكن استدراكه حتى لا يهزمني الحاجز. محاضرة اليوم: مناقشة موضوع: "نحو مساواة النوع الاجتماعي في المناطق الفلسطينية"، مربوطا بمناقشة فيلم المخرج الفلسطيني: صبحي الزبيدي: "نساء في الشمس"، هاتفت المعهد، واتفقت مع ابتسام أن تضع الفيلم للطلاب كي يشاهدوه، ويسجلوا ملاحظاتهم، كي نناقشه بعد ذلك.
سررت إذ أدركت أن حكمتي لم تخنّي بشكل قاطع! لن أتشككّ في قدراتي أكثر من ذلك، وفكّرت: ماذا عن الطلاّب والطّالبات، وهم يمارسون رياضتهم اليوميّة القسريّة: الانتظار/ العرق/ الهرولة حيناً/ الخطى البطيئة حيناً؟ هل يتساءلون عن مدى حكمتي وحكمة معهد دراسات المرأة، الذي يقرّر ضمن منهجه مثل هذا الفيلم، وهذه الموضوعات؟!

فكّرت في موضوعات الفيلم: روايات النساء عن حياتهن ومعاناتهن، الطلاق التعسفي، محاولات الانتحار، النقاش الذي أثاره البرلمان الصوري في المجتمع الفلسطيني، بين مؤيد ومعارض، نصوص بعض قوانين الأحوال الشخصية المقترحة، والمقارنة بينها وبين ما هو مطبق في الضفة الغربية وغزة ......الخ
وتساءلت:
هل هناك علاقة بين الحاجز أمامي وهذا الفيلم؟ هل نغرّب الطلبة عن قضاياهم كما يرى البعض؟ وهل يرى الطلاب والطالبات علاقة بين حواجز الاحتلال، وبين الفيلم الذي يشاهدونه؟
وتدفّقت الأسئلة:
ألا يكفي المرأة والرجل، الطفلة والطفل، الشاب والشابة، حواجز الاحتلال حتى يضاف إليها حواجز المجتمع؟ وكبف يمكن أن نجابه هذه الحواجز؟ إذا لم نفكر ثم نناقش ثم نحاول اقتراح حلول لما نواجه من مشكلات؟
ماذا حين تُرغًم الشّابّة أو الطفلة على الزواج؟ هل نذكّرها أن الوطن محتل وأن قضيتها ليست أساسية، وأنها يجب أن تنتظر حتى يتحرر الوطن؟!
وما هو الوطن بالنسبة لهذه الطفلة وتلك الشّابة؟ إن لم يعن الأمان والحياة الحرّة، وكيف يمكن أن تساهم في تحريره إن لم تكن حرّة؟!
هل يمكن أن نجزّىء الوطن وأن نجزّىء قضاياه؟ ثم ألا نحتاج حرّيتنا حتّى نتصدّى؟
أيّ إبداعات وأيّ مساحات يمكن للإنسان الحرّ أن يصل إليها؟ 
وهل يمكن للمهزوم من الداخل أن يهزم العوائق الخارجيّة؟!
كيف يمكن لإنسان مستعبد أن يبني وطناً حرّاً؟
 
أعدت شريط الأغنية للمرّة العاشرة أو أكثر! لم أعد أعرف كم مرّة أعدت سماع الأغنية!!
يا ماريّا يا مسوسحة القبطان والبحريّة/يا مسوسحة القبطان!!
 
ومررت من أمام الحاجز!!
كان القبطان يمسك الهويّات، يدقّق فيها، يحتجز بعض الطالبات والطلاّب، بعض العمّال والعاملات، بعض المواطنات والمواطنين، لساعات تحت أشعّة الشمس، بحثاً عن بهيّة.
 
وكانت بهيّة تسوْسحه، تجنّنه، تقهقه، وتبتعد.
 

المراجع

د.فيحاء عبد الهادي

التصانيف

ظواهر فلسطينية