فليسمح لي الشاعر حافظ إبراهيم أن أختلف معه بشأن لغتنا العربية الموقرة، لأقول بأنها لم تعد تحمل "الدرّ" في "أحشائها"، في عصرنا الحديث!

 

أعلم أن كلامي سيغضب الكثيرين من أنصار اللغة العربية، وأنا واحد منهم، غير أنني أعتقد أن لغتنا تمر بأزمة حقيقية، لا بل إنها ستنقرض فعليا، إذا لم يتم تداركها على نحو عاجل وسريع، قبل أن يستفحل الداء ويعز الدواء!

 

باختصار لأن اللغة العربية لم تعد تواكب العصر، بثوبها التقليدي، الذي نلبسه في مدارسنا وجامعاتنا!
والحال أن ثمة أسبابا متعددة لهذا الانهيار، منها على سبيل المثال، وجود بون شاسع بين اللغة المحكية واللغة الفصيحة، وهو بون آخذ في التوسع والتعمق مع كل مصطلح جديد يدخل المفردة الشعبية، يوميا، وما أكثر هذه المصطلحات في عصرنا الحديث، جراء العولمة، وكذلك بسبب التطور العلمي والتكنولوجي الذي تتمخض عنه مخترعات جديدة على مدار اللحظة.

 

ولنعترف أن اللغة الفصحى ما عادت قادرة على استيعاب هذه المصطلحات، لاسيما في ظل "البيات الشتوي" الذي تغرق فيه مجامع اللغة العربية، منذ وقوفها عند تعريب "الساندوتش" إلى "شاطر ومشطور وما بينهما كمخ"!

 

ما أقصده أن "التعريب" نفسه يمر بأزمة حقيقية، ويثير السخرية في بعض الأحيان، ولا يمكن أن يؤدي المعنى الحقيقي للمصطلح الأصلي، بدليل أن أحدا من الناس حتى الآن لم يستخدم "البديل" الذي وضعه علماء العربية الأجلاء لمفردة "الساندوتش"، وفضلوا الإبقاء على المصطلح الأصلي القادم من بلاده، من دون تحريف أو تعريب!

 

وعلى غرار "الساندوتش"، دخلت مصطلحات جديدة إلى المفردة المحكية، وبقيت متداولة كما هي، على غرار "الكمبيوتر"، الذي نرفض تحويله إلى "حاسوب"، لأنه يؤدي أغراضا أوسع بكثير من مجرد "الحساب"، والـ"إيميل"، الذي لا يمكن أن يستبدل بـ"رسالة إلكترونية"، خصوصا وأن الغرب استنبط منه فعلا جديدا بمفردة واحدة، ولغتنا للأسف لا تقبل أن تفعل الشيء نفسه مع المصطلح المعرب، وستصبح الجملة بالعربية على النحو الآتي: "أرسلت رسالة إلكترونية"، تخيلوا جملة فعلية كاملة مقابل فعل واحد بالإنجليزية!

 

أيضا، كيف تستطيع لغتنا أن تفرق ما بين "الإيميل" و"المسج"، وكلاهما، في الواقع، "رسالة إلكترونية"، واحدة مرسلة عبر "الكمبيوتر"، والأخرى عبر "الموبايل".. أما "الموبايل"، فله قصة أخرى، فمن "هاتف نقال"، إلى "هاتف جوال"، إلى "هاتف خليوي"، والحبل على الجرار!

 

هل أعطيكم "مصطلحات" أخرى؟ حسنا: "الفلاش"، "شاشة البلازما"، "الفيديو"، "التلفاز"، الـ"سي دي" بأنواعه، "الفلوبي"، "الريموت كنترول"... الخ!

 

أما في عالم الميكانيك، فثمة حكاية أخرى تدلل على عجز لغتنا الفصحى عن مواكبة تطوراتها، وأتحدى من يذهب إلى "الكراجات" ومحلات بيع قطع السيارات أن يجد ضالته المنشودة إذا تقصد أن يطلب قطعة باللغة الفصحى، فهناك ثمة قاموس مختلف للأسماء، ينبغي على المرء أن يخضع لدورة تدريبية عليه ليلم بمفرداته الجديدة والمتداولة بين أصحاب المهنة، ولعل أبسطها "الجعمكّة"، وتعني تلك الكرة الحديدية التي تمسك بأعمدة العجلات الخلفية، والتي تشبه "البطيخة"!

 

حاصل القول بأنني أحس أن لهجتنا المحكية أصبحت أكثر مرونة على استيعاب مفردات العصر الجديدة، لأنها اللغة المتداولة بين الناس، ولأنها تخلو من تعقيدات المسموح والممنوع، ومن "الأخطاء الشائعة" التي يصدر منها، كل يوم، مؤلف جديد لأناس جعلوها همهم الوحيد لترصد الأخطاء اللغوية، بدل أن يسعوا إلى الإسهام بتعريب الجديد!

 

شخصيا، بت ميالا إلى اعتماد اللغة المحكية أكثر من الفصحى، وأشعر أن علينا أن نتقبل المصطلحات الجديدة كما هي، وأن ندخلها إلى لغتنا مباشرة، من دون مواربة أو "تشطير" يثير السخرية أكثر مما يثير التوقير، كما أدعو لإدخال المفردات الشعبية التي ألفناها وأصبحت متداولة بيننا إلى اللغة الفصحى ذاتها، وكفانا تأففا منها.

 

كما أدعو مجامع اللغة العربية إلى مواصلة سباتها!

 

بقلم: باسل طلوزي.


المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  باسل طلوزي   جريدة الغد   العلوم الاجتماعية