بعد سنتين تقريبا من انتشار الاحتجاجات السلبية والغضب والنقد والمسيرات والمظاهرات في الأردن ضمن سياق ما يسمى الربيع العربي بدأت الصورة الضبابية تتوضح تقريبا حيث انسحبت من الشارع معظم الفئات التي اعتمدت على الغضب والصراخ، ولم يبق إلا اصحاب النفس الطويل في التغيير الإيجابي. في السنة الماضية بالذات وبشكل أسبوعي إن لم يكن يوميا بدأت تظهر عدة مبادرات شبابية على شكل تجمعات غير رسمية وقودها التفاعل عبر وسائل التواصل الاجتماعي ثم تتحول إلى نشاطات على أرض الواقع. هذه المبادرات تهدف إلى إحداث التغيير الإيجابي من خلال المشاركة الفعالة في المجتمع بشكل عام لحل مشاكل معينة أو مواجهة تحديات على مستوى وطني أو محلي عن طريق تقديم الحلول وتنظيم المجموعات النشيطة من الشباب.
بعض هذه المبادرات تنتقل إلى مرحلة أخرى من التطور وتتحول إلى جمعيات أو منظمات يمكن تسجيلها في وزارة التنمية الاجتماعية لمنحها مكانة مؤسسية تضمن لها الاستدامة. للمفارقة فإن بعض هذه المبادرات تجد رفضا لدى موظفي وزارة التنمية الاجتماعية في شروط التسجيل إما بسبب عدم القناعة أو بسبب فهم خاطئ للقوانين ولكن في معظم الحالات يتم التسجيل إما نتيجة اللجوء للقضاء أو إقناع اصحاب القرار.
هذه المبادرات الشبابية ليست مسيسة بمعنى أنها تحمل خطابا سياسيا مغلقا ولها أهداف سياسية معينة ولكنها تساهم بشكل كبير في توظيف طاقات الشباب ايجابيا وترسيخ قيم الانتماء الاجتماعي لديهم. لا أريد أن أقع في فخ الانحياز لكنني أريد تقديم مثالين من أجل التوضيح. المثال الأول هو مبادرة أهل البلد التي تم إطلاقها في عمان بمشاركة مجموعة من الشباب والكبار المهتمين بقضايا حماية البيئة والنظافة العامة ويتتركز جهودهم في محاولة تجميل الصورة العامة للمناطق الحضرية والريفية عن طريق حملات نظافة مصحوبة بنشاطات للتوعية. آخر تلك النشاطات كانت في منطقة برقش حيث تداعى عشرات الشباب لتنظيف المنطقة من المخلفات السياحية ولإرسال رسالة اجتماعية واضحة حول أهمية الحفاظ على المنطقة متنفسا طبيعيا لكافة سكان الأردن.
المبادرة الثانية هي “فرصة” وهي مبادرة غير ربحية توفر للشباب في الوطن العربي فرص التعليم وبناء الذات وتطوير القدرات من خلال موقع الكتروني متخصص بنشر احدث المنح الدراسية والزمالات والدورات التدريبية والمؤتمرات والندوات والتبادلات الثقافية والجوائز والمسابقات. هذه المبادرة ساهمت بشكل لا يستهان به في منح فرص عمل مهمة للشباب وفتح آفاق للتدريب وبناء القدرات تعزيزا للسيرة الذاتية وبالتالي فتح المزيد من الفرص للعمل. مؤسس هذه المبادرة نفسه، وهو سامي الحوراني أسس مبادرة أخرى بعنوان “ديوانية” تتخصص بإنشاء منابر للحوار حول القضايا العامة في الأردن وحققت نشاطاتها حضورا شبابيا متميزا وخاصة في الحوارات والمناظرات الساخنة.
الطاقة الإيجابية تساهم في البناء لا الهدم وتمنح الفرص لتحقيق الطموحات وتعزيز الانتماء فعلا لا قولا ومن الضروري دعم كافة الجهود الشبابية في هذا السياق والتخلي عن البيروقراطية والتشكيك التي عادة ما تقف في وجه الشباب الطموح وتحولهم من صفوف المبدعين الايجابيين إلى الغاضبين السلبيين.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة باتر محمد علي وردم جريدة الدستور