وصلنا في نهاية الفصل الأول الى وصول
عبدالله الى حالة من الإرتباك والخوف الشديد، وكيف لا وقد أدخل رغما عنه لغرفة
التفتيش، وبتفتيشه أخرجت الأربع كلغ من المخدرات وبسرعة شديدة قيدت يداه وسيق
بالسرعة القصوى الى مركز مكافحة المخدرات وسط ذهوله الشديد، وأوقف من الغد أمام
المحقق المكلف بتتبع تهمته وكان حوار الطرشان، لم يفهم تهمته ولم يفهم ما ينطق به
المحقق.
ولا المحقق فهم شيئا من دفاعه، وسعى مركز مكافحة المخدرات الى التسريع بحل
القضية بان استنجد بمترجم يفهم اللغة التايلندية واللغة الفرنسية باعتبار أن كل
شباب شمال إفريقيا يتكلم ويفهم هذه اللغة بشكل جيد،
وحاول عبدالله الدفاع عن نفسه
باعتباره بريئا وأن الإجبار الذي تعرض له في حمل المخدرات يقنع بالبراءة لأن
الإجبار في أي تهمة ينفي التهمة من أساسها، كذلك صديقة الحميم كارلوسوف لن يتركه
وحيدا وهومتاكد من براءته،وعولج كل شيء بسرعة على مستوى التحقيق، ولكنه بقي مدة
طويلة في سجن مركز مكافحة المخدرات قبل العرض على المحكمة وأيقن خلال هذه المدة
أنه كان ضحية لعبة أكبر منه، فصديقه كارلولم يكن سوى عنصرا نشيطا من عناصر المافيا
الإيطالية الشهيرة في كل العالم، ودوره كان اصطياد أمثاله من الشباب الذي يطمح
لتغيير وضعه الإجتماعي وزوجته لم تكن سوى عنصرا من عناصر المافيا كذلك، و19 شابا
كانوا ضحايا مثله من عديد دول العالم، وكانت الخطة تستدعي أن تضحي المافيا بفرد من
افرادها محققة مصالحا أخرى من وراء ذلك
أولا ترفع من قيمة جهاز مكافحة المخدرات لإحباطه لعملية تهريب،
وبالتالي الحفاظ على نفس تركيبة المسؤولين عن الجهاز وهذا بالإتفاق مسبقا بين كل
الأطراف وثانيا وبالإتفاق كذلك تمر باقي الكمية بأمان ومن حظ بطلنا العاثر أن كان
الإتفاق عليه ليكون الضحية، وعرف أن هذه اللعبة دائمة السريان والعشرات مثله كان
مصيرهم كمصيره، وصمم بعدها على متابعة البحث بربط الأمر بكارلوباعتبار أنه لوقبض
عليه ستتوضح عديد الأشياء أهمها أنه ليس عنصرا بارزا أويعمل لحسابه الخاص وأنه كان
مجبرا على التنفيذ،أومن يدري فقد ” يصوغ الماء والملح ” في كارلوفينقذ صديقه، ولكن
معز كان يحلم حيث لم يعد هنالك مجال للأحلام، فلم تمر أيام قليلة، حتى وصلته رسالة
باسمه، يا الله، أخيرا تذكروني وعرفوا مكاني،ممن اتت هذه الرسالة ؟ هل هي من أهله
في سوسة أم من كارلو؟ أم من صديق عرف قصته؟..
وكان ما في الرسالة آخر أمل له
للخروج من الورطة وتاكد بعد الرسالة أن الأمر يفوقه ويفوق طاقته وأن اللعب مع
المافيا لا يرحم، وأن آخر ما يمكن أن تفكر فيه المافيا هوالتعامل الأخلاقي، كانت
الرسالة لا تحتوي سوى صورة، صورة واحدة ووحيدة، صورة كارلومقتولا بالرصاص في أحد
شوارع ايطاليا، وفهم عبدالله الرسالة بوضوح تام، فهم أن المافيا تركته لمصيره
والخيط الوحيد الذي يربطه بها قد انقطع الآن بقطع رأس كارلو.
أصبح الأمر الآن قاسيا جدا، فهومخنوق لدرجة لا توصف مع أناس لا
يفهم حرفا واحدا من لغتهم ولا يفهمون منه شيئا الا بالإشارة، خصوصا وأن المترجم
الفرنسي انتهى دوره بانتهاء التحقيق، وبعد انتهاء هذا التحقيق جاء دور المحكمة
التي كانت كالمهزلة بالنسبة اليه، فكان وكيل النيابة يقف بالساعة يكيل له
الاتهامات وهويبتسم ابتسامة صفراء ساخرة لأنه لم يفهم شيئا مما ينطق به، ومن أقسى
الحالات أن توضع في وضعية تحديد مصيرك وأنت كالأطرش لا تفهم ماذا يقال جميلا أم
سيئا، وبعده يقف المحامي الموكل من المحكمة للدفاع عنه وهوكالعادة لا يدري ايبكي
أم يضحك من حركاته واهتزازاته فقد كان مثل صاحبة ينطق بما لا يدري عبدالله أويدرك،
وبعد عديد الجلسات كان لا بد من اصدار الحكم، واصدر في نهاية الأمر وكالعادة سمعه
دون أن تتحرك له عضلة واحدة، ببساطة لأنه لم يفهم شيئا، حاول محاميه أن يفهمه
الحكم وبلغة انجليزية متوسطة أفهمه وعرف الحكم عليه، ويا له من حكم، فقد حكم عليه
حكم الأجنبي في مثل هذا النوع من القضايا، كان الحكم مائة سنة سجنا، صاح من القهر:
يا إلاهي، يا ربي، يا رحيم، 100 سنة، وبحسبة بسيطة عرف أنه سيخرج من السجن وعمره
125 سنة، يا ملك الملوك، 100 سنة، شاب في مقتبل العمر، وسيما،نشيطا، محبا لأهله،
ينتظره مستقبل باسم، وبتهمة لا يعرفها يقضي 100 سنة خلف القضبان، أي ظلم هذا، وكيف
سيعرف أهله في تونس أنه حي يرزق؟ كيف سيعيش مع أبرز المجرمين في السجن؟
كيف سيواجه
مصيره المظلم؟
بقي مصدوما لأيام، أحس بأنه مسكين، طلب من الله العلي القدير
مساعدته، تمت الإجراءات بسرعة، ونقل الى السجن، كان سجنا رهيبا جدا وكبيرا جدا،
أكبر سجن في تايلندا، له شهرة لا توصف في البلد وحتى خارج البلد، وتأكد عبدالله من
أول يوم في السجن من هذا الأمر، فهذا السجن العملاق يفوق عدد نزلائه الـ 3000 سجين
يمثلون خليطا غريبا من تجار المخدرات الى عناصر الجريمة المنظمة الى مرتزقة قتل
مدفوعي الأجر،ولا ينزل به الا اعتى رجال الإجرام، كانت الحياة داخل هذا السجن
مغامرة يومية، ففي كل يوم هنالك تحدي بقاء، فالحياة في هذا السجن كالغابة تماما،
البقاء للأقوى،ولا يمضي يوم دون حدوث جريمة قتل أوعنف شديد أوابتزاز وعبدالله ليس
الأقوى على كل الأصعدة فهوضعيف البنية وعربي مسلم وهؤلاء وجودهم بالكاد يذكر في
السجن، وعرف أنه في تحد جديد وقاس ويجب أن يواجهه
المراجع
alabkari.com
التصانيف
روايات كتب العلوم الاجتماعية الآداب