... ومن أشكال العقاب أيضاً التغريم، حيث كان الغرماء يسجنون حتى تباع كل ممتلكاتهم. فإذا كان ثمنها يفوق قيمة الدين، عاد المبلغ المتبقي إلى السجين؛ وإذا كان العكس، أطلق سراحه(1). وفي كلتا الحالتين، كان يتلقى مائة جلدة ويعمل مائة يوم. وكان التغريم يشمل كبار المسؤولين في الدولة على الخصوص(2): فقد تم تغريم محمد شاوش، صهر الوزناجي باي قسنطينة، وكذلك تم تغريم الباش سايس ولد عمار.
__________
(1) سعيدوني، المرجع السابق.
(2) المرجع نفسه.
(1/6710)
________________________________________
... وكان الحكم بالإعدام ـ حسب دافيس ـ ينفذ بإحدى الطرق الثلاث (1): القتل بالسفود، والجلد حتى الموت، والارتماء القسريّ.
 
... الإعدام عن طريق السفود: يتم بالطريقة التالية: تؤخذ قطعة دائرية من الخشب طولها ثلاثة أذرع وعرضها في حجم ساق الرجل، أحد طرفيها حاد، ثم تدخل في جسم المحكوم عليه بين الكتفين وتخرج. وهكذا يتركونه حتى الموت.
... الجلد حتى الموت: يتم الجلد على النحو التالي: يجلد المخالف، ويوضع مضطجعاً على ظهره وهو عار. ويقوم خادمان بجلده
__________
(1) الجزائر في عهد رياس البحر، المرجع السابق، ص. 109.
(1/6711)
________________________________________
بحبلين مضاعفين على بطنه وأمعائه حتى الموت.
... الارتماء القسريّ: يتم على الطريقة التالية: يجلس المحكوم عليه على حائط طوله خمسة أقدام. وتحت المكان الذي يجلس فيه توجد قلنسوة حديدية حادة جداً. وعندئذ يرمى من على الحائط، فيقع على القلنسوة الحديدية.
... ونظراً لقساوة هذه العقوبات، فإنه قلما كان يقع استعمالها (1)، لأنها كانت مفزعة جدّاً للمخالفين ورادعة لكل من تسول له نفسه المساس بأمن البلاد والعباد.
 
II ـ المجالس
... أنواعها: في هذا الصدد، يمكن التمييز بين ثلاثة أنواع من المجالس:
__________
(1) المرجع نفسه.
(1/6712)
________________________________________
1 ـ المجلس الخاص (1):
... هذا المجلس، الذي يشبه في وقتنا الحاضر المجلس القضائي، يوجد على مستوى كل بايلك من أجل إعادة النظر في الأحكام التي أصدرها قضاة المحاكم الابتدائية. يضم هذا المجلس قاضيبن ومفتيين وعدولاً وناظراً وعلماء. ويجتمع كل يوم جمعة للنظر في الأمور التي تم استئنافها، ويترأس هذا المجلس الباي أو قائد الدار.
... وتكون الفتوى الصادرة عن هذا المجلس غير ملزمة للقاضي الذي بإمكانه التمسك بقراره الأول. وأمام إصرار القاضي على حكمه، لم يبق من وسيلة أمام
__________
(1) الجيلالي، المرجع السابق، ص. 513.
(1/6713)
________________________________________
الطرف الذي يرى أنه متضرر إلا اللجوء، في إجراء أخير، إلى طلب الالتماس الذي في حالة قبوله، يتداول بشأنه مجلس المناظرة الذي يسمى أيضاً المجلس الشريف أو المجلس العلمي ـ الشرعي.
 
2 ـ مجلس المناظرة
... يتشكل هذا المجلس، الذي يعتبر بمثابة محكمة عليا، من(1) قاضيين ومفتيين وكاتبين برتبة باش وعَدْل وعلماء.
... يعقد هذا المجلس جلساته يوم الخميس من كل أسبوع للنظر في القضايا التي أحيلت إليه من المحاكم الابتدائية وقبل التداول بشأنها(2): ففيما يخص المذهب المالكي،
__________
(1) Venture de Paradis, op. cit.
(2) Ibid.
(1/6714)
________________________________________
تعقد الجلسات في الجامع الكبير(1). وفيما يتعلق بالمذهب الحنفي، تعقد الجلسات في جامع كتشاوة.
... وتتمثل مهام هذا المجلس، الذي قد يحضر جلساته الحاكم وقد يترأسها أحياناً بنفسه، في (2):
... ـ الفصل في القضايا الكبرى؛
__________
(1) فيما يخص المذهب المالكي، كانت الجلسات تعقد في الجامع الكبير: فإذا كان المتقاضون من المسلمين، دخلوا كلهم المسجد، وإن كان فيهم غير المسلمين، عقدت الجلسات خارجاً في أحد صحون الجامع. (انظر: محمد بن عثمان باشا داي الجزائر، المرجع السابق، صص. 74 ـ 75).
(2) الجيلالي، المرجع السابق.
(1/6715)
________________________________________
... ـ مراجعة الأحكام التي أصدرها القضاة في المحاكم الابتدائية؛
... ـ الاستماع إلى تظلمات كبار المسؤولين في الدولة، من حكام وولاة وغيرهم؛
... ـ تعين ناظر الأوقاف؛
... ـ تعين ناظر المعارف، وهو المشرف على شؤون التعليم.
 
... ويعتبر الحكم الصادر عن هذا المجلس غير قابل للنقض. ويكون القاضي الذي أصدر الحكم الابتدائي ملزماً بإعادة النظر في حكمه وفق الفتوى الصادرة عن المجلس المذكور.
... لقد ظل مجلس المناظرة يباشر مهامه بعد 1830، وضمت إليه السلطات الفرنسية الاستعمارية شخصية فرنسية. فبدأ بذلمك يفقد هيبته
(1/6716)
________________________________________
ووقاره إلى أن انتهى الأمر بحله بموجب قرار استعماري عام 1848. وترتب على ذلك إلزام الجزائريين برفع قضاياهم أمام مجلس الاستئناف الفرنسي.
 
3 ـ مجلس الإفتاء
... تعتبر هذه المؤسسة أسمى هيئة في النظام العدلي الجزائري، وتعد بمثابة المجلس الأعلى للقضاء حالياً، وتضم فرعين للإفتاء: مالكي وحنفي. والدّاي هو الذي يختار المفتِيَيْن بدقة، ويشترط فيهما أن يكونا من ذوي التقوى والعلم الواسع. وبالإضافة إلى مهمة الإفتاء، يقوم المفتيان باقتراح القضاة والموافقة على تعيينهم (1) وحضور
__________
(1) ... المرآة، المرجع السابق.
(1/6717)
________________________________________
جلسات الديوان؛ كما يقوم المفتي الحنفي بترأس مجلس الإفتاء (1) وقراءة نص اليمين (2) لدى تنصيب حاكم جديد للدولة.
... يتقاضى المفتيان رواتب شهرية محددة تليق بنفوذهم ومكانتهم في المجتمع وفي الحياة السياسية: فدفتر تشريفات (3)
__________
(1) ... الجيلالي، المرجع السابق، ص. 110.
(2) ... الجزائر في عهد رياس البحر، المرجع السابق.
(3) ... هو السجل الرسمي للحكومة، الذي كانت تسجل فيه جميع أعمالها ومذكراتها العامة وما تقرره من نظم وقوانين. ومن ثمة فهو في ـ رأينا ـ بمثابة "الجريدة الرسمية". ويعد هذا السجل من أهم وأثرى الوثائق المتعلقة بتاريخ الدولة الجزائرية الأولى. بعد الاحتلال وضع المستعمر يده على هذا السجل وغيره من سجلات الحكومة وحفظ في خزينة أملاك الدولة. ونظراً للقيمة التاريخية العظيمة، أولاه حافظ هذه الخزينة ألبير دي فولكس أهمية كبيرة، فقام بترجمته في 15 ديسمبر 1853 وأمر بطبعه بمطابع الحكومة العامة بالجزائر.
(1/6718)
________________________________________
قد بين في إحدى فقراته رواتب المفتيين(1).
... ـ المفتي الحنفي: راتبه الشهري 80 صائمة.
... ـ المفتي المالكي: راتبه الشهري 50 صائمة.
... وتعتبر الرواتب مقياساً عملياً لترتيب الموظفين من حيث النفوذ والمكانة الاجتماعية.
 
استنتاج
... مما سبق يتضح أن العدالة في عهد الدولة الجزائرية الأولى لم تكن شعاراً يرفع فحسب ، بل كانت نظاماً مؤسساتياً يتمتع بخصائص ومميزات
__________
(1) ... Albert Devoulx, Tachrifat. Recueil de notes historiques sur l’administration de l’ancienne régence d’Alger, Imp. du GG 1853, p. 51.
(1/6719)
________________________________________
تفتقر إليها، دون شك، الأنظمة العدلية المعاصرة له محلياً، بل وأوروبياً: فقد كان نظاماً عدلياً تطبعه السرعة في التنفيذ والاستقلالية في الأداء والاختصار في الشكليات الإجرائية. وقد أضفت عليه هذه الخصائص فاعلية ونجاعة جسدها السهر الدائم على تدعيمه وتطبيق المسؤولية الجماعية فيه؛ فكان الجميع مسوؤلاً ومطالباً بتقديم يد المساعدة للسلطة القضائية على ما رآه وشاهده. كما كانت كل مقاطعة مسؤولة عما يقع على ترابها من حوادث. هذا كله ساهم في خلق ثقافة عدلية راسخة: فقد كان أوّل ما يسأل عنه المسؤولون السامون لدى
(1/6720)
________________________________________
تنصيبهم ويوجهون له اهتمامهم هو نشر العدل والأمن بين الناس في حلهم وترحالهم. استقلالية هذه المؤسسة وقيامها بواجبها جعلها تؤدّي دوراً رئيساً في استتباب الأمن وإرساء دعائم دولة القانون التي لا أثر فيها لعمليات التعذيب والاضطهاد المنظم (1)، طوال فترة قيامها التي تجاوزت الثلاثة القرون. رأينا هذا تؤكده هذه الشهادة لبنانتي والتي يقول فيها: »أعتقد أن النظام
__________
(1) كورين شوفالييه، الثلاثون سنة الأولى لقيام دولة مدينة الجزائر 1510 ـ 1541، ترجمة جمال حمدانه، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1991، ص. 85.
(1/6721)
________________________________________
الجزائري يبدو مفضلاً لأولئك الذين خيب القانون ظنهم في بلداننا المتحضرة. هذا النظام كان فعلاً جديراً بالشهرة «(1).
__________
(1) F. Pananti, Relation d’un séjour à Alger, Paris, le Normant 1838, cité par Kaddache, op. cit, p. 114.
(1/6722)
________________________________________
النمطي في الأساس الصوتي للعربية
 
... ... ... ... ... ... الدكتور محمد الأوراغي
... ... ... ... ... كلية الآداب ـ الرباط
 
... ثبت أن جهاز التصويت الإنساني مهيَّأٌ خلقةً لأن ينتج كل الأصوات اللغوية المستخدمة في جميع اللغات البشرية؛ كانت منقرضة أو مستعملة حالياً أو يمكن استعمالها استقبالاً. لكن أي لغة بشرية ليس لها أن تستخدم جميع الممكن المقدور عليه، وإنما تضطر كل واحدة إلى استرفاد العون من »مبدإ الخفة« (1)
__________
(1) انظر الفارابي، كتاب الحروف، ص. 136. فيما يتعلق بدور المبدإ المذكور في انتقاء اللغات لعينة من التصويتات.
(1/6723)
________________________________________
لاختيار عدد محصور من العناصر الصوتية وإهمال الباقي.
... وكل عنصر صوتي اختارته اللغة ل 1، من مجموع الممكن المقدور عليه، فلوظيفة التغاير الدلالي المسندة إليه في ل 1. ولا تكون لذاك العنصر تلك الوظيفة في اللغة ل 2 إذا كانت ل 2 قد أهملته. كما يُحتمَل أن توظف اللغة ل 2 عناصر تهملها اللغة ل 1 جميعاً أو تهمل بعضها.
... يترتب على ما سبق أن ليس من طبع أي عنصر صوتي صادر عن جهاز التصويت البشري أن يكون مهملاً أو مستعملاً. وإنما يصير كذلك بالجعل. وما تجعله لغة في مستعمَلِها يحتمل أن يشكل مهملَ غيرها
(1/6724)
________________________________________
وبالعكس. وليس للغة أن تفضل أخرى بالنظر إلى ما تستعمل من عناصر صوتية أو تهمل.
... يراعى في انتقاء عنصر صوتي، فضلاً عن الاستجابة لمبدإ الخفة، أن يكون له في النسق الرمزي قيمةٌ صوتية ليست لمثله ولا لضدّه، وأن يكون لتلك القيمة الصوتية، في النسق الرمزي المستعمل للتواصل، وظيفة التغاير الدلالي. وما يجمع بين القيمة الصوتية والوظيفة الدلالية فهو »تصويتة«؛ كما في الأثْناء (أ، ب) التالية:
 
... (1) ... ( أ ) . ثالِمٌ، حَثٌّ، حَثيرَةٌ.
... ... (ب) . ظالِمٌ، حَظٌّ، حَظِيرَةٌ.
(1/6725)
________________________________________
... وما عَدِمَ الوظيفةَ، وإن توفر على القيمة الصوتية، فهو »بديل«. كما في الثُّنى (2) الموضح بالكتابة الصوتية في الطرة (1) أسفله.
 
... (2) ( أ ) . سِجارٌ.
... (ب) . سِجارٌ
 
... ولا يعني اللغات من أسسها الصوتية سوى التصويتات التي يناط بها التغاير الدلالي، وما عداها فحشو لا وظيفة له؛ كـ»البدائل المركبة«(2)
__________
(1) أ ) sij?run
... (ب) sig?run
(2) نطلق مصطلح البدائل المركبة على الوحدة الصوتية المؤلفة من تصويتتين متجاورتين والتي تستعمل بديلاً لإحداهما أو بديلاً لتصويتة مغايرة لهما. من الضرب الأول التاء المنطوقة في المغرب مشربة بالسين، حيث تُتَلفَّظ (الفتاة) بمثل (الفتساتس). ومن الثاني التاء المشربة بالشين المكونة لوحدة صوتية تستعمل في الكويت وجنوب العراق بديلاً لكاف المخاطبة، فيكون تلفظ (كتابُكِ) بمثل (كتابتش). أما مصطلح التصويتات المفترضة، فيصدق على أصوات لغوية تأخذه لغة من غيرها وتستعملها خاصة في المقترض من المفردات المعجمية. من هذا القبيل تصويتات /V/، و / P/، و/g /، التي أدخلتها بعض الأقطار في الأساس الصوتي لعربيتها. وبذلك حافظت على النطق الأصلي للألفاظ الدخيلة عليها مثل (تلفزيون، وبونابارت، وكارودي) بدل اللجوء إلى تعريبها. وكان معهد الدراسات والأبحاث للتعريب من بين المؤسسات التي ابتدعت هذه الظاهرة الصوتية وعملت على نشرها بكافة الوسائل.
(1/6726)
________________________________________
و»التصويتات المقترضة«. وكل تصويتة لغوية، من حيث وظيفتها في النسق الرمزي المستعمل للتواصل، يجب حسبانُها مادةً صوتية لا تتجزأ. لكنها بالنظر لذاتها فهي متجَزِّئة إلى أجزاء متناهية. إذن باعتبار وظيفة التغاير الدلالي تُعاملُ التصويتتان (/ ص / ، / ث) الفارقتان في الثُنَى (3 أ، ب) معاملة صُوَيْت (التفخيم) الفارق في الرُّباع (4 أ ـ د). لكن من حيث القيمة الصوتية لا يتجزأ صويت التفخيم، بينما /ص/ تتجزأ إلى صُوَيْتات (الصفير والهمس والتفخيم) تجزؤ /ث/ إلى (النفث والجهر والترقيق).
(1/6727)
________________________________________
... (3) ... ( أ ) . صَلْمُ (الأنف أو الأذن؛ أي قطعهما).
... ... (ب) . ثَلْمُ (السيف؛ أي إحداث كسور بحده).
... (4) ... ( أ ) . دَ رْ سُ (القرآن؛ أي إمعان النظر فيه لفهم مقاصده) (1)
__________
(1) تغليظ الراء هكذا » ر « في (درس القرآن) و (مسرح العرائس)، دال على أن التفخيم قيمة صوتية تضطلع بوظيفة التغاير الدلالي في مقابل الترقيق المصور هكذا » ر « ـ كما في (درس القمح) و(مسرح الأغنام). يعني هذا أن من بين التصويتات ما لا تتجزأ قيمته الصوتية كالتفخيم في مقابل الترقيق، إذ هما الصويتان المتعاقبان على (التروير + الجهر). ومنها ما يتجزأ إلى أجزاء متناهية. /ص/( (صفير + همس = تفخيم)، و/ث/ ( (نفث + جهر + ترقيق). إذن قول اتْروبِتسكوي إن التصويتة (أي le phonème) لا تتجزأ يصدق باعتبار وظيفة التغاير الدلالي كما أسلفنا. أما من حيث القيمة الصوتية، فمنها ما يكون مؤلفاً خلافاً لما ذكره في كتابه : "مبادئ النَّصْغ". (Troubezskoy, Principes de phonologie, p. 44).
(1/6728)
________________________________________
.
... ... (ب) . د رْ سُ (القمح؛ أي تهشيمه لفصل الحب عن التبن).
... ... (ج ) . دَ رْ صُ (الأرنب؛ أي ابنها).
... ... ( د ) . ضَرْسُ (الكلب؛ أي عضه بالأضراس).
... اتضح مما سبق أن ليس لقالب النَّطق أن يهتم بالتمثيل للبدائل اللهجية ولا للتصويتات المقترضة، إذ المطلوب إقامة نموذج شبيه بنسق التصويتات النمطية المستعملة في العربية.
...
1. 1 ـ قيم تصويتات العربية
... تتناقل كتب النَّطْق في اللسانيات الغربية أن التصويتات المستعملة في اللغات البشرية يتراوح عددها ما بين عشرين وخمسين تصويتة. يهمنا أن نعرف عدد
(1/6729)
________________________________________
ما في العربية، خاصة وأن دارسي هذه اللغة لم يجمعوا على رقم معيَّن (1)
__________
(1) ذكر سيبويه أن العربية تستعمل تسعاً وعشرين تصويتة. قال: »حروف العربية تسع وعشرون حرفاً: الهمزة والألف والهاء والعين والحاء والغين والخاء والكاف والقاف والضاد والجيم والشين والياء واللام والراء والنون والطاء والدال والتاء والصاد والزاي والسين والظاء والذال والثاء والفاء والباء والواو والميم«. (الكتاب، ج 2، ص. 404)؛ والعدد نفسه يكرره المبرد في المقتضب، ج 1، ص. 328، وإن نسب إليه ابن جني خلاف ذلك (انظر: سر صناعة الإعراب، ج 1، ص. 46)؛ أما تمام حسان من المحدثين، فقد أوصلها إلى إحدى وثلاثين (انظر: مناهج البحث في اللغة، ص. 90).
(1/6730)
________________________________________
، وأن نحدد بدقة القيمة الصوتية لكل منها. كما يعنينا أن نكشف أيضاً عن »وظيفية الحركون« وعددها بالقياس إلى المستعملة فارقاً في العربية.
... إدراك المطالب المذكورة لا يتأتى دون تحديد منهجية للعمل. وهذه تعني تأسيس مقدمات أولية من شأنها أن تعيِّن ما يجب قوله في وصف تصويتات العربية وما يمتنع. وهي تتفرع إلى:
... 1) أوليات تعم كل فصوص اللغة وقوالب النحو. من هذا الضرب مبدأ البيان الذي منه الفصل بين التصويتات النمطية والبدائل اللهجية. ومبدأ الخفة الفارق، داخل الممكن المقدور عليه، بين الأساس الصوتي
(1/6731)
________________________________________
المستعمل وغيره المهمل.
... 2) أوليات تخص قالب النَّطْق. وهذه تضم علاقة المجانسة أساس »مبدإ التساند« الذي يرتِّب التصويتات في »محور عمودي«، فترقى في سلمية يرتكز فيها اللاحق على السابق. وعلاقة المخالفة التي تنظم بدورها تلك التصويتات في محور أفقي، وينتج عن ذلك نسق هرمي.
... الوصف الذي أنجزه قدماء اللسانيين العرب لتصويتات لغتهم إذا قيدناه بما سيق من الضوابط صار في الإمكان الانتهاء إلى القيمة الصوتية النسقية التي يمكن إدراكها آليّاً. ولارتباط تلك القيم بأبنية أحيازها، تعين التمهيد لها بوصف مناسب
(1/6732)
________________________________________
لجهاز التلفظ.
 
1. 2 ـ التشريح اللساني لجهاز التصويت البشري
... يعنينا في هذا المبحث أن نتعرَّف أولاً طريقة اللغات في »تشريح« جهاز التصويت البشري، لأن هذه لا تسير وفق منهجية علم التشريح الذي يرتكز على تحليل العضو من أجل تجديد بنية أجزائه وشكل كل جزء وكذا العلاقات القائمة بين مختلف الأجزاء. كما تؤجِّل عمل المشرِّح لجهاز التصويت، وهو يربط الأبنية العضوية التي ينتهي إليها تحليلُه بوظائفها الإنتاجية لأصوات لغوية(1)
__________
(1) يدخل في هذا الصنف من العمل ما فعله ابن سينا في كتابه "أسباب حدوث الحروف"، حيث بدأ بتشريح الحنجرة واللسان، فكشف عن سائر الأعضاء المكونة لهذا الجهاز. ثم انتقل إلى إفراد أعضاء مخصوصة بقيمة صوتية متميزة.
(1/6733)
________________________________________
.
... إن اللغات، كغيرها من المجالات، تتدرج بالقياس إلى مستعملها من الأعم نحو الأخص (1). فتقطِّع جهاز التصويت بالقسمة الأولى إلى ثلاث مناطق: أمامية ووسطى وخلفية. وبالقسمة الثانية تتجزأ كل منطقة إلى شعبتين؛ إذ تتفرع المنطقة الأمامية إلى خيشومية و»أسنافية« (2)
__________
(1) في تدرج المعرفة يقول ابن سينا: »إن العقل أول شيء إنما يعقل المعنى العام الكلي، وثانياً يتوصل إلى ما هو مفصل. فلهذا نجد الناس كلهم مشتركين في معرفة الأشياء بنوع أعم. أما نوعية الأشياء، فإنما يعرفها أكثر من بحثه أكثر«. (البرهان، ص. 56).
(2) أسنافي مركب مزجي من أسناني وشفوي.
(1/6734)
________________________________________
، والوسطى إلى مستعلية ومستفلة، والخلفية إلى لهوية وحلقية. وبالقسمة الثالثة تنحل كل شعبة إلى عدد محصور من الأحياز كما سيأتي. وسوف نقتفي نهج اللغة في تحليل جهاز التصويت كما يمكن أن نعبر عن ذلك من جديد بالمبيان (5) الآتي:
(5) .
منطقة خلفية ... ... منطقة وسطى ... ... منطقة أمامية
 
لهوية ... ... مستعلية ... خيشومية
 
حلقية ... مستفلة ... أسنافية
 
... قبل الشروع في تفصيل محتوى المبيان (5)، ينبغي تسجيل ما يلي من النتائج:
(1/6735)
________________________________________
... 1) ـ جهاز التصويت البشري مهيَّأ خلقة لأن ينحل تدريجياً إلى المناطق الثلاث، فتجزيء كل منطقة إلى الشعبتين، ثم توزيع كل شعبة إلى عدد محصور من الأحياز.
... 2) ـ استناداً إلى مبدإ الخفة، ينتفي كل ما من شأنه أن يُجبِر اللغات البشرية على توظيف أعضاء الشعب الستة لإنتاج التصويتات التي يحتاج إليه نسقها النَّصْغي. وبعبارة أخرى، للغات البشرية الخيرة في توظيف أعضاء جميع الشعب المذكورة أو توظيف ما يخف عليها منها.
(1/6736)
________________________________________
... 3) ـ باعتبار الموظف من أعضاء جهاز التصويت، يلزم أن تتفرع اللغات بَدْءاً إلى نمطين: (أ). »لغات إمكانية« كالعربية المتميزة باستغلال جميع الإمكانات الستة، فتوفر لها الخيشومي /ن، م/ والأسنافي /ف، ب/ والمستعلي /ض، ظ/ والمستفل/ ل، د/ واللهوي/ ق، ك/ والحلقي/ ع، ح/. (ب). »لغات اقتصارية« كالفرنسية ونحوها الإنجليزية المتميزتين بالاقتصار على استغلال بعض الشعب، وإهمال بعضها الآخر، فخلا نسقهما النصغي من المستعلي وأغلب الحلقي.
(1/6737)
________________________________________
... 4) ـ درجة تمايز القيم الصوتية تحددها علاقتا المخالفة والمجانسة. فهي مرتفعة في اللغات الإمكانية نتيجة علاقة المخالفة المناسبة للغات تستثمر جميع المناطق وشعبها الموضحة بالمبيان (5)، وتنخفض في اللغات الاقتصادية بحسب عدد المناطق الصوتية التي يوظفها النمط الأخير. إذ من لغات السودان الإفريقي ما يقتصر على المنطقة الأمامية، وشعبة المستفل من المنطقة الوسطى. كما تركز لغات آسياوية على شعبتي الحلقي والمستعلي. وفي مثل هذه الأضرب تقوى علاقة المشابهة بين تصويتاتها، وتضعف القيم التي تميز كل تصويتة عن
(1/6738)
________________________________________
مثيلاتها.
... 5) ـ ارتفاع درجة تمايز القيم الصوتية يترتب عليه، من جهة، انخفاض »عتبة الانتظام« في سلمية التساند، كما سنوضحه بعد قليل؛ ويلزم عنه، من جهة ثانية، زيادة نسبة المفردات الفصيحة. ويحصل عكس ذلك إذا انخفضت درجة التمايز، بحيث تصعد »عتبة الانتظام«، في سلمية التساند، وتنزل نسبة المفردات الفصيحة(1)
__________
(1) الفصاحة في مستوى المفردات تقاس بالمسافة التي تفصل بين مخارج التصويتات الداخلة في تكوين الألفاظ المفردة. إذا تباعدت المخارج، فصحت اللفظة؛ وإذا تقاربت، ثقلت. (انظر ابن جني، المنصف، ج 1، ص. 75؛ وما أورده السيوطي، المزهر، ج 1، ص. 185؛ وكذلك ما نقله عنه تمام حسان في كتابه مناهج البحث في اللغة، ص. 135).
(1/6739)
________________________________________
.
 
1. 3 ـ تنميط الأصوات اللغوية
... تتناقل كتب النصغ أن الأنساق النصغية لجملة من الثوابت العامة، منها »المبدأ التصنيفي« الذي يجبر كل اللغات البشرية على تصنيف تصويتاتها تصنيفاً أولياً إلى صنفين اثنين:
... (أ). صوامت؛ وهي المتمايزة، في النسق النصغي، بقيمها الصوتية وبوظيفة التغاير الدلالي، فضلاً عن تشكلها في الكتابة بصورة الحرف. وكل عنصر ينتمي إلى هذا الصنف يختص بمباشرته لوظيفة التغاير الدلالي في جميع اللغات. وهذا الضرب يمكن توضيحه بالمثال التالي:
(1/6740)
________________________________________
(6) (أ) . { صفير + جهر + ترقيق } ( / ز / ( (زَيْف) ( [ غِشٌّ و تمويه]
(ب) . { صفير + همس + ترقيق } ( / س/ ( (سَيْف) ( [ضَرْبٌ بالسيف]
(ج) . { صفير+ همس+ تفخيم } ( / ص/ ( (صَيْف) ( [اشتداد الحر]
... وكل مَنْ أو ما يسمع التصويتة المتكونة من اجتماع الصُّوَيْتات بين الحاضنتين { ... } يلزمه إذا كتب أن يخط الصورة بين المائلين /.../ بحيث ينتج عن حلول أحدها محل الآخر في القَوِلات بين القوسين (...) اختلاف المعنى الوارد بين المعقوفين [...]. وكذلك شأن سائر التصويتات النمطية في أي لغة.
(1/6741)
________________________________________
... (ب). صوائت؛ وهي أيضاً تتمايز، في النسق النصغي، بقيمها الصوتية، وتُخَطُّ في الكتابة بصور الحركون. وهي، من حيث وظيفة التغاير الدلالي، تختلف من نمط لغوي إلى آخر. ففي لغات جذعية كالفرنسية تكون الصوائت كالصوامت في مباشرة وظيفة التغاير الدلالي(1)
__________
(1) الفرنسية تأتلف وغيرها من اللغات الجذعية في مباشرة كلا الصنفين من التصويتات لوظيفة التغاير، كما يظهر من المقارنة بين (أ) و (ب) في المثال (01). وتتميز من جهة أخرى بكثرة الصوائت التي تصل فيها إلى ستة عشر صائتاً. وهو عدد يكاد يقترب من صوامتها (19).
(01)
 
. pale / male. (أ)
. par / pire / père / paire / pour / port / peur / pure /. (ب)
(1/6742)
________________________________________
. لكنها في العربية من اللغات الجذرية ليس للصوائت سوى دور التمييز بين صيغ القَوِلات. إذ لا دخل للمد، بوصفه من الصوائت، في مباشرة التغيير الدلالي بين (مَطَر) و (مَطَار). وإنما يباشر بناء الصيغة الصرفية لإخراج الأولى على هيأة (فَعَلَ) والثانية على هيأة (مَفْعَل). من جملة ما يدل على انتفاء التأثير المباشر للصوائت ثباتُ قَوِلات المثال (7) الآتي على معناها وإن تغيرت الصوائت العارضة لبعض صوامتها (1).
__________
(1) للوقوف على المزيد من أمثلة النماذح المذكورة أعلاه، راجع: ابن السكيت، إصلاح المنطق.
(1/6743)
________________________________________
(7) ( أ ) . وُجْدٌ ، وَجْدٌ ، وِجْدٌ.
(ب) . عَدْمٌ ، عَدَمٌ ، سُقْمٌ ، سَقَمٌ.
(ج ) . قِمْعٌ ، قِمَعٌ ـ شِبْهٌ ، شَبَهٌ.
... وتمثِّل ظواهر الاختلاس والإمالة وكل تغيير بالحركة والسكون أدلة قوية على انحصار دور الصوائت في تشكيل أوزان صرفية، بها يناط التغاير الدلالي بين ما اتفقت صوامته؛ كما في (خَلٌّ) و (خِلٌّ)، باعتبار الأول يدل على (سائل شديد الحموضة) والثاني على (الصديق الوفي). ونحوه (اللَّبْس: اختلاط الأمر) و (اللِّبْس: الكسوة)، ومنه (الحُزْن: الغَمّ) و(الحَزَن: غليظ الأرض المرتفع).
(1/6744)
________________________________________
... ثبت أن اللغات يسمح لها مبدأ الخفة باختيار أصواتها النمطية، ويضطرُّها مبدأ التصنيف إلى توزيع تصويتاتها المنتقاة إلى مجموعتين: فئة الصوامت المتميزة في كل لغة بقيمها الصوتية وبمباشرة جميعها لوظيفة التغاير الدلالي، وفئة الصوائت التي يكون لها في اللغات الجذعية وظيفة الصوامت، بينما دورها في العربية من اللغات الجذرية لا يتجاوز إقامة بنيات وزنية مخصوصة. ويهمنا الآن أن ندرس من خلال علاقتي المخالفة والمجانسة كل تصويتة مما تستعمله العربية.
...
1. 4 ـ مبدأ التساند النصغي
(1/6745)
________________________________________
... مبدأ التساند يتأسس داخل فص النصغ على علاقة المجانسة القائمة بين متوالية من التصويتات. موحِّد عناصر هذه المتوالية »نواة صوتية« تسري في الجميع، وفارقها انفراد كل عنصر في المتوالية بصُوَيْت واحد على الأقل يمثِّل القيمة الصوتية لذاك العنصر داخل مجموعته التي تضمه. لكن قيمته، بالقياس إلى عنصر منتم إلى مجموعة أخرى، تتشكل من النواة الصوتية فقط، إذ يمكن لعناصر المجموعتين الاشتراك في »الصُّوَيْتات الهامشية« المنضمَّة إلى الصُّوَيْتَيْن النَّوويَّين: »الصفير« و»النفث«. كما يتضح من ملاحظة عناصر
(1/6746)
________________________________________
المجموعة (7) ومقارنتها بعناصر مِثْلِها (8) بعدها.
 
(7) (أ) { صفير + جهر + ترقيق } ( / ز /.
{ صفير + همس + ترقيق } ( / س/.
{ صفير+ همس+ تفخيم } ( / ص/.
 
(8) (ب) { نفث + همس + ترقيق } ( / ث /.
{ نفث + جهر + ترقيق } ( / ذ/.
{ نفث+ همس + تفخيم } ( / ظ/.
 
... يُستدَلُّ من هذا المثال على أن »التأليف« مبدأ عام يستغرق جميع فصوص اللغة، ويمس كل مستوياتها. فالجملة تنحلُّ تركيبياً إلى »مركبات«؛ مثل »المركب الإضافي« و»المركب التَّبَعي« و»المركب الحرفي« و»المركب الإشاري« و»المركب الموصولي« و»المركب الاسمي«
(1/6747)
________________________________________
(1).
... وكل واحد من تلك المركبات ونحوها يتألف من »عناصر« قابلة لأن تنحلَّ »معجمياً« إلى »مداخل«، يقبل أغلبُها الانفكاك إما إلى »الجذر« و»الصيغة«؛ كما
__________
(1) كل مركب مما سردنا أعلاه يستغرق أمثلة متعددة إذ يصدق المركب الإضافي على نحو »كتاب سيبويه« و»سيارة الإسعاف« و»عصير فاكهة«. ويشمل المركب التبعي ما كان من قبيل »القمر الأحمر« و»ياسر عرفات« و»الإنسان عينه« و»الفاكهة لبُّها«. والمركب الحرفي يعم مثل »إلى القدس« و»سوف يعود«. والباقي يتناول بذاك التوالي الأمثلة: »ذلك الكتاب« و»الرجل الذي« و»الرجل«.
(1/6748)
________________________________________
هو حالها في اللغات الجذرية كالعربية، وإما إلى »الجذع« و»اللواصق« كما في الفرنسية ونحوها الإنجليزية من اللغات الجذعية.
... والجذر أو الجذع كلاهما قابل لأن يتجزأ »نَصْغِيّاً« إلى بضع تصويتات: كالزاي /ز/ ونحوها /س/، /ص/، /ث/، /ذ/، /ظ/. وكل تصويتة تقبل بدورها أن تنحلَّ إلى صُوَيْتات؛ كالصفير أو النفث، والجهر أو الهمس، والتفخيم أو الترقيق، والشِّدَّة أو الرَّخاوة.
... (أ) . جهاز التصويت البشري مستعد خلقة لأن ينتج »صُوَيْتات أولية«، قد لا يتجاوز عددُها بضعةً وعشرين. من هذا العدد القليل من الأوليات،
(1/6749)
________________________________________
وبفضل »مبدإ التركيب«، تشكِّل كلُّ لغة نسقَها النصغيَّ الذي يضم في بعضها ما يناهز الخمسين تصويتةً مؤلفةً من الصويتات الأولية. وهذه النتيجة تدعم خاصية سبق أن أثبتناها للتصويتة في أي لغة؛ وهي إمكان تجزيئها باعتبار القيمة الصوتية إلى صُوَيْتات، وعدم إمكان ذلك بالنظر إلى وظيفة التغاير الدلالي.
... (ب) . الصُّوَيْتَات الأولية (وهي الماثلة قبل السهم ... ( والداخلة في تكوين التصويتات المؤلفة والواقعة بعده ( ... في المثالين »7، 8«)، صنفان:
(1/6750)
________________________________________
... 1) »صويتات نووية«، كالصفير والنفث ونحوهما؛ يضطلع كلُّ واحد منها أولاً بدور التجميع لتصويتات معينة في مجموعة واحدة، وهو فعل صويت الصفير مثلاً بالنسبة إلى { /ز/،/س/،/ص/ } في المثال (7)، وكذلك شأن صويت النفث الذي يقوم أولاً بإدراج التصويتات { /ث/،/ذ/،/ظ/ } في مجموعة (8) من المثال نفسه. ويقوم هو وصويت الصفير ثانياً بدور »التمييز الخارجي«. إذ يُمَثِّل كلٌّ منهما جهة اختلاف عناصر المجموعة (7) عن عناصر المجموعة (8).
(1/6751)
________________________________________
... 2) »صُوَيْتات هامشية«، كالجهر والتفخيم والشدة ومقابلاتها الهمس والترقيق والرخاوة. وهذا الصنف يضم عناصر صوتية أقل مما يضمه الصنف الأول. ومع ذلك، يأتلفان باعتبار قيام كلٍّ منهما بدَوْرين في النسق النصغي. أول تأثير الصُّوَيْت الهامشي يظهر في »التمييز الداخلي«، حيث يدل التقابل بين التفخيم والترقيق على جِهَتَي اختلاف /س/،/ص/ الواقعين في المجموعة (7). كما يمثل الجهر ومقابله الهمس جهَتَي اختلاف /ث/،/ذ/ داخل المجموعة (8). أما تأثيره الثاني، فيتجلى في تنظيم التصويتات المنتمية إلى المجموعة نفسها في
(1/6752)
________________________________________
»سلمية تساند« كما تتمثَّل في العبارة (9) التالية:
... (9) . ( أ ) ز - س - ص
... (ب) ث - ذ - ظ
... سبق أن أثبتنا في موضع آخر (1) أنّ العنصر الأخير في السلمية، كالصاد في (9 أ) أو الظاء في (9ب)، يتعلق وجوده في اللغة بوجود الذي يتقدمه مباشرة، كالسين والذال في المثال نفسه. كما أن مثول أحد هذين الأخيرين مرتبط بالذي سبق،
__________
(1) للمزيد من التفصيل، انظر: محمد الأوراغي، »التصويتات النمطية وبدائلها اللهجية«،ضمن مجلة التاريخ العربي، العدد الثامن، ص ص. 171 ـ 181؛ اكتساب اللغة في الفكر العربي القديم، ص. 139.
(1/6753)
________________________________________
وكذلك يستمر إلى أول عنصر في السلمية، وبينا أيضاً أن أي لغة تستعمل التصويتة اللاحقة يلزمها أن تستعمل السابقة ولا ينعكس.
... (ج) . اتخاذ مبدإ التساند أساساً لتنظيم التصويتات يلغي تجميعها المؤسس على الانتساب إلى »المخرج« نفسه (1)
__________
(1) جمَع اللغويون العرب القدماء والمحدثون تصويتات العربية في مجموعات، نسبة إلى الموضع الذي تخرج منه عناصر كل مجموعة. للتوسع في الموضوع، انظر من القدماء :سيبويه، الكتاب، ج 2، ص. 404؛ والمبرد، المقتضب، ج 1، ص. 328؛ وابن جني، سر صناعة الإعراب، ج 1، ص. 52؛ وابن الجزري، النشر في القراءات العشر، ج 1، ص. 199؛ ومن المحدثين راجع: تمام حسان، مناهج البحث في اللغة، ص. 124؛ واللغة العربية معناها ومبناها، ص. 59.
(1/6754)
________________________________________
، لأن الانتظام القائم على سريان الجرس نفسه في متوالية من العناصر الصوتية المتمايزة بصويتات هامشية أورد من الانضمام الذي يراعي انتساب عناصر مخصوصة إلى منطقة معينة من جهاز التصويت البشري، لأنه قد لا يستفاد من اتخاذ مخرج ما بين الشفتين أساساً لإدراج العناصر { /ب/ ، / م/ ،/ و/ } في مجموعة واحدة؛ لأن مثل هذه العناصر، وإن اتحدت (مخرجاً)، لا يُوحِّدها صويتٌ نووي. وسوف نرى أن ما وحَّده صُوَيْتٌ نووي، توحَّد مخرجاً أيضاً؛ لأن أي صويت فهو وليد بنية عضوية متشكلة في جهة من جهاز التصويت.
(1/6755)
________________________________________
... وكذلك، لا يستفاد من التجميع القائم على صُوَيْت هامشي: كاتخاذ الجهر ومقابله الهمس منطلقاً لتوزيع تصويتات اللغة على مجموعتين. وإذا تغير المنطلق،كالتفخيم ومقابله الترقيق، توزعت تلك التصويتات من جديد على مجموعتين أخريين. ويستمر التقسيم على هذا المنوال حتى تنقضي الصُّوَيْتات الهامشية المتقابلة أساسُ إمكان التفريع الثنائي لتصويتات العربية (1)
__________
(1) للاطلاع على التقسيمات الثنائية المستندة إلى تقابل الصويتات الحاشوية، انظر: المبرد (المقتضب، ج 1، ص. 330)، تجده يقول: »ومن الحروف حروف تجري على النفس، وهي التي تسمى الرخوة؛ ومنها حروف تمنع النفس، وهي التي تسمى الشدية؛ ومنها حروف إذا رددتها في اللسان جرى معها الصوت، وهي المهموسة؛ ومنها حروف إذا رددتها ارتدع الصوت فيها، وهي المجهورة؛ ومنها حروف تسمع في الوقف عند نبرة بعدها، وهي حروف القلقلة... ومنها المطبقة والمنفتحة. ونحن ذاكرو جميع ذلك بأوصافه إن شاء الله«؛( انظر أيضاً مبحث »أقسام الحروف« في: ابن جني، سر صناعة الإعراب، ص. 68؛ ومبحث »صفات الحروف «في: ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، ج 1، ص. 202؛ ومبحث »تقسيم الحروف« في: تمام حسان، مناهج البحث في اللغة، ص. 121؛ ومن الغربيين، انظر المبحث الخامس من كتاب يَكُبْسون، ستة دروس في الصوت والمعنى، ص. 79. [Roman Jakobson, Six leçons sur le son et le sens]).
(1/6756)
________________________________________
. يترتب على المثبت في الفقرة الأخيرة أن »مبدأ التساند« أنسب الأسس لتصنيفٍ أورد للعناصر الصوتية في أي لغة.
2. انتظام التصويتات
... لن نطيل في سرد جوانب الضعف في مختلف التصنيفات السابقة التي ارتكز أصحابها على اشتراك العناصر الصوتية في المخرج والصفة، لأن اتباع هذا التقليد لا يسنجم مع اللسانيات النسبية التي أقمناها للتنبؤ بالأنحاء النمطية؛ ولأن اتخاذ هذه النظرية إطاراً يلزم عنه تنظيم »مجموع المقدور عليه« في سلاسل من العناصر الصوتية المتوالية، بحيث يتوافر للغات البشرية إمكانات الخيرة في تبني بعض تلك
(1/6757)
________________________________________
السلاسل واقتطاع حلاقات منها، وهو ما سيؤدي إلى تكوُّن أنساق نصغية نمطية، كما سيتضح بعد قليل من المبحثين التاليين.
 
2. 1 ـ تنميط الصوائت
... تقدم أن هذا الضرب من العناصر الصوتية يتميز بكونه يُخَطُّ في كتابة كل اللغات بصورة الحركون، وبكونه يباشر وظيفة التغاير الدلالي في لغات جذعية كالفرنسية، وليس له، في لغات جذرية كالعربية، سوى دور التمييز بين صيغ القَوِلات التي تباشر الوظيفة المذكورة.
... وتبيّن أيضاً أن الانتظام أساسه العلاقتان: 1) علاقة المخالفة بين صويتات نووية محصورة العدد؛ 2) علاقة المجانسة
(1/6758)
________________________________________
بين تصويتات يجمعها صويتٌ نووي ويفرق بينها صُوَيْتاتٌ هامشية، وهي أقل عدداً. وبواسطة مبدأ التساند تنظم تلك التصويتات في سلمية، وهو ما سنتحقق منه الآن.
... استناداً إلى علاقة المخالفة، وبإدخال »الصُّوَيْت العدمي« الذي يأخذ في كتابة اللغة العربية شكل الصفر ويسميه نحاتها السكون، يلزم أن يَضم »المقدور عليه« أربعة صوائت نووية ليس غير، وهي:
... (أ) . الفتحة: اسم يصدق على صويت »الأَ« النووي الذي يتكون في المنطقة الخلفية من جهاز التصويت البشري، ويتولد بنقرة واحدة للأوتار تحدثها كمية من النفس تدفع الصوت
(1/6759)
________________________________________
الناتج في فتحة الفم من غير أن يعترض مجراه شيءٌ يغيِّر من جرسه.
... (ب) . الضمة: اسم يطلق على صُوَيْتِ »الأُ« النووي الذي ينشأ بالمنطقة الأمامية. ويتولد »الأُ« هو أيضاً بنقرة واحدة للأوتار تحدثها كمية من النفس تدفع الصوت الناتج إلى بنية عضوية يشكلها ضمُّ الشفتين مع نتوئهما إلى الأمام لتكوين فوهة ضيقة.
... (ج) . الكسرة: اسم لصويت »الإِ« النووي الذي ينشأ بالمنطقة الوسطى. ويتولد بالكيفيَّة نفسها، لكن الصوت الناتج يدفعه النفس هذه المرة إلى بنية عضوية مغايرة تتشكل في وسط الفم بشد اللسان إلى الطبق
(1/6760)
________________________________________
وإلصاق حافتيه بالأضراس العليا، حتى إذا ضاق المجرى لم يسمع غير »الإِ«.
... (د) . السكون: اسم أطلقه نحاة العربية خاصة على »الصويت العدمي« الناتج عن تسكين الأوتار وحبس النفس والكف عن تحريك أعضاء التصويت. ومن مجموع هذه الخصائص تتكوَّن قيمة السكون (ْ) العدمية التي قابلها الواضع بالقيمة العددية صفر (0). وبما أن الصفر يعد ضمن مجموعة (N)، أي الأعداد الطبيعية الصحيحة، فلا مبرر لإخراج السكون من مجموعة الحركون، وقد شخَّصت العربيةُ عناصرَها، تباعاً، بالصور الماثلة في المبيان (10) الآتي.
(1/6761)
________________________________________
... (10) . } ــَـ ، ــُـ ، ــِـ ، ــْـ {
 
... بموجب علاقة المخالفة الصوائتُ الأربعة } ــَـ ، ــُـ ، ــِـ ، ــْـ{ نوويةً. وكونها كذلك لا تخلو لغةٌ بشرية من أحدها. وبمقتضى علاقة المجانسة يمكن الحصول على صوائت أخرى من جنس الصوائت الثلاثة الأولى. وليس أمام اللغات عندئذ سوى أن تسلك أحد الطريقين: إما »التضعيف«؛ بمعنى إضافة صائت نووي إلى نفسه فينتج صائت مولَّد هو ضعف أصله، وإما »التطفيف«؛ وهو تلوين الصائت النووي بجرس مغاير سواء كان من جنسه أو من جنس صائت نووي آخر. وكل لغة أنشأت صوائت لمكوِّنها
(1/6762)
________________________________________
النَّطْقي بأحد المسلكين فإن الطريق المهمل قد يشكل »ظواهر موضعية« في كونها النَّصْتي، كما سيأتي في الفصل الثاني.
... العربية من اللغات التي اختارت طريق التضعيف لإنشاء صوائت مولِّدة. فحصلت بتضعيف الفتحة (ــَـ)، كما في التمثيل ( ـَ + ـَ)، على الفتحة الطويلة (ــَ ا). وبجمع ضمة إلى مثلها ( ـُ + ـُ) ولَّدت الضمة الطويلة ( ـُ و). كما أنتجت، بإجراء العملية نفسها (ــ + ــ)، الكسرةَ الطويلة ( ــ ي). أما السكون ( ـْـ) بوصفه صويتاً عدمياً، فإنه لا يَنْتُج من تضعيفه غيرُه؛ إذ نحصل من ( ـْـ + ـْـ) على ( ـْـ)
(1/6763)
________________________________________
ليس غير.
... استدل ابن جني على أن المدود الثلاثة }ــَ ا، ـُـ و ، ــِ ي{ أضعافٌ، تباعاً، للحركات الثلاث } ــَـ ، ــُـ ، ــِـ{ . وقد ختم مبحث »الحركات أبعاض حروف المد« بقوله: »فلولا أن الحركات أبعاض لهذه الحروف وأوائل لها، لما نشأت عنها، ولا كانت تابعة لها« (1). وفي تنصيص ابن جني على »الصوائت الأوائل والصوائت التوابع« تصريح واضح بالانتظام السلمي الناتج عن مبدإ التساند وإن لم يذكر هذا المبدأ باسمه.
__________
(1) سر صناعة الإعراب، ج 1، ص. 20.
(1/6764)
________________________________________
... نخلص مما تقدم إلى أن العربية من النمط اللغوي الذي يضم نسقُه النَّطْقي سبعة صوائت: (أ) الفتحة والفتحة الطويلة، (ب) الضمة والضمة الطويلة، (ج) الكسرة والكسرة الطويلة، (د) السكون. وجميع هذه الصوائت تنتظمها سلمية التساند (11) التالية:
 
... (11) . ( أ ) ــَـ - ــَـ ا .
... ... (ب) ــُـ - ــُـ و .
... ... (ج ) ــِـ - ــِـ ي .
... ... (د ) ــْـ - ( .
 
... وتفيد هذه السلمية أن أي لغة استعملت الصائت اللاحق، وهو الواقع بعد رمز الأقل ( - ) يلزمها أن تستعمل أيضاً الصائت السابق الواقع قبل الرمز نفسه ( -
(1/6765)
________________________________________
) ولا ينعكس؛ وأن للصوائت التوابع، باعتبار وظيفة التغاير الدلالي، دور الصوائت الأوائل في اللغات الجذعية. لكن دورها في اللغات الجذرية ينحصر في التفريق بين الصيغ الصرفية. فلا يؤدي إحلال أحد التوابع محل أحد الأوائل في قَوِلَة إلى تغيير الكلمة، وهو ما تكشف عنه المقارنة بين الأزواج القَوِليَّة في مجموعة المداخل المعجمية التالية.
 
... (12) . ( أ ) زمَن / زمان.
... ... (ب) مفاتِح / مفاتيح.
... ... (ج) بُرصة / بورصة.
(1/6766)
________________________________________
... بدل التضعيف اختارت لغات كالفرنسية أن تنتهج مسلك التطفيف؛ ويتلخص هذا الإجراء في إدخال تعديلات بسيطة على مخارج الصوائت الأوائل، بحيث ينشأ عن كل تغيير في مخرج الضمة مثلاً أحدُ الصوائت التوابع لها. وتوابع كل صائت تزيد أو تنقص بالقياس إلى عدد التغييرات الممكن إجراؤها على مخرج هذا الأخير مع المحافظة على جرسه النووي. وبالنظر إلى ما يتصف به مخرج الفتحة من الاستطالة، لا يقبل هذا الأخير إدخال تعديل عليه، وبالتالي لا توابع لصائت »الأ« في الفرنسية ونحوها من اللغات(1)
__________
(1) ذكر نَصْغَيُّون أن لبعض الصوائت في اللغات الأوروبية توابع كالضمة والكسرة بخلاف الفتحة. للتثبت من ذلك، انظر »خصائص الصوائت« في: اتْروبِتْسكويْ، مبادئ النَّصْت، ص. 100 (Toubetzkoy, Principes de phonologie)؛ وانظر أيضاً: مالَنْبِرْج، مجالات النَّطْق، ص. 30 ((B. Malmberg, Les domaines de la phonétique.
(1/6767)
________________________________________
.
... وقد كشفت أمثلة الطرة (9) من المبحث (1. 3) عن نماذج من »الأُوات« التابعة للضمة ونماذج أخرى من »الإيات« التابعة للكسرة، ولم نهتد إلى إشارات تدل على وجود توابع للفتحة، كما تعبر من جديد أمثلة (02) من الطرة (1)
__________
(1) يستشف من التدرج العددي للأمثلة المسرودة هنا من اللغة الفرنسية أن التحكم في تصريف الشفتين أبلغ منه في باقي الأعضاء. فمخرج الضمة أكثر قابلية للتغيير؛ لذا تفرع عنه من الصوائت التوابع للضمة أكثر من توابع الكسرة. وإذ لم يتولد عن الفتحة صائت، فلأن مخرجها لا يتحمل تغييراً مع المحافظة على جرس »الأ«.
(02) - pour - port - peur - pure...
- pire - père - paire...
- par - ...
(1/6768)
________________________________________
أسفله.
... نخلص مما سبق إلى أن اللغات البشرية مجبرة على توظيف الصوائت الأوائل الأربعة { الضمة، والكسرة، والفتحة، والسكون } ، لكنها مخيرة في سلوك أحد المنهجين؛ التضعيف أو التطفيف، لتوليد صوائت توابع. وتبيّن أن العربية من اللغات التي اختارت المسلك الأول المرتكز على عملية الجمع، والمتميز بكون الصائت الأًصل يتولد عنه صائت تابع واحد ليس غير، إلا السكون فلا تابع له. وبذلك تشكل العربية مثالاً لنمط لغوي لا يضم نسقه التصويتي سوى سبعة صوائت؛ كما تنتظمها السلمية (10) المذكَّر بها هنا.
(1/6769)
________________________________________
... (11) . ( أ ) ــَـ - ــَـ ا .
... ... (ب) ــُـ - ــُـ و .
... ... (ج ) ــِـ - ــِـ ي .
... ... (د ) ــْـ - ( .
... وفي المقابل، اختار نمط آخر من اللغات مسلك التطفيف القائم على إدخال تعديلات تخص مخرجَيْ الضمة والكسرة خاصةً، فتولَّدت لهما توابعُ يختلف عددها تبعاً للتغييرات التي يقبلها مخرجا ذينكم الصائتين.
 
2. 2 ـ تنميط الصوامت
... الصوامت عبارة عن تصويتات متمايزة في النسق النصغي بقيمها الصوتية، وبمباشرة وظيفة التغاير الدلالي، وبخطها في الكتابة بالحروف. وهي، بالقياس إلى الصوائت، أكثر عدداً
(1/6770)
________________________________________
وقابلية للتراكب. وعناصر الصوامت تنتظمها كالصوائت علاقتان:
... (أ) علاقة المخالفة بها يحصل التمايز الخارجي بين الصويتات النووية التي تدخل في تكوين مجموع المقدور عليه، وكل صويت نووي، من المقدور عليه، يلزمه أن يجمع بين الاختصاص بقيمة صوتية خلافية مرتبطة بمخرجه، وبين سريانه في عدد من التصويتات.
... (ب) علاقة المجانسة بواسطتها يتأتى تكوين مجموعات من التصويتات. كل مجموعة تضم عدداً من العناصر التي يسري فيها الصُّوَيْت النووي نفسُه ؛ ويحصل تمايزها داخلياً بواسطة الصُّوَيْتات الهامشية. وبالصويت النووي
(1/6771)
________________________________________
تكون لمجموعة معينة جهة خلافية بالنسبة إلى باقي المجموعات التصويتية، وبالصويت الهامشي تكون للتصويتة جهة خلافية داخل مجموعتها.
... اتضح أن راسمة الصامت تتناول كل تصويتة تباشر وظيفة التغاير الدلالي بواسطة قيمتها الصوتية المركبة من صُوَيْت نووي يمثل جهة خلافية بين مجموعات من العناصر الصوتية، ومن صويتات هامشية تمثل جهة خلافية بين عناصر صوتية تنتمي إلى المجموعة نفسها. وظهر أن الصويتات الهامشية، بالقياس إلى الصويتات النووية، قليلة العدد متقابلة إلى درجة التضاد، كما يكشف عن ذلك تقابل الثنائيات في
(1/6772)
________________________________________
الثُّلاث (11) التالي:
... (13) . ( أ ) جهر V همس
... ... (ب) شدة V رخاوة
... ... (ج) تفخيم V ترقيق
 
... بخفقة النفس للوترين في الحنجرة يهتزان، فيتولد عن تذبذبهما جرسٌ مرتفع قوي هو الجهر المدرك بحاسة السمع عند التلفظ بتصويته /ع/ ونحوها. وفي المقابل يأتي الهمس؛ أي الصدى المنخفض الضعيف الناشئ عن مرور النفس في مجراه من غير أن يصطدم بالوترين؛ فيتكوَّنُ مثل الجرس المسموع عند إصدار /هـ/ أو نحوها.
... أما الشدة، فصفة لصدى الفرقعة المصاحبة للانفجار الناجم عن انعتاق مباغت لمقدار من النفس المحبوس حبساً
(1/6773)
________________________________________
تاماً خلف نقطة إصدار الجرس المسموع عند التلفظ بمثل /ق/. وإذا اندفع النفس محتكاً بحافّات ممرِّه الضيق نسبياً وجرى الصوت معه، تولد الجرس الموصوف بالرخْو المسموع إذا تُلُفِّظ بمثل /ث/.
... ومن المحتمل أن ينشأ تقابل آخر يرتبط بنوع التغيير الذي يمكن إحداثه بحجرة الرنين، لأن إطلاق الجرس من حيّزه يحتمل أحد الأمرين: إما أن يكون ترديده في حجرة رنين مقعرة؛ يحدها سقفُ الحنَك وإطباق اللسانِ عليه؛ برفع مؤخره نحو اللهاة ومد أسلته إلى اللثة، فيولد شكلُ هذه الحجرة جرسَ التفخيم المسموع عند إصدار /ض/ ونحوها /ط/
(1/6774)
________________________________________
أو /ظ/ أو /ص/. وإما أن يكون الترديد في حجرة رنين مسطحة، يتبعه نشوء جرس الترقيق الذي يجامع تصويتات /س/ ونحوها /ت/ أو /د/ وهلم جرّاً.
... اتضح أن التقابلات الثلاثة يمكن إجمالها في: 1) إعمال الوترين أو عدم إعمالهما. و2) إحكام سد مجرى النفس أو تضييقه ليجري الصوت فيه. و3) تقعير حجرة الرنين أو تسطيحها، وليس بين المتقابلين حالة وسطى ينشأ عنها »صُوَيْتٌ بيني«(1)
__________
(1) تحدث نصْغيون عن التوسط، وهو الصويت البيني الذي يقع في الوسط بين طرفي النقيض. وضبطوا موقعه بين ثنائية الشدة والرخاوة خاصة. وبناء على التقابلات الصريحة الموصوفة أعلاه لا يُتصور وجود صويت بيني خلافاً لما جاء في سيبويه. (الكتاب، ج 2، ص. 406). وردده بعده نصغيون كثير منهم :المبرد، المقتضب، ج 1، ص. 320؛ وابن جني، سر صناعة الإعراب، ج 1، ص. 69؛ والزمخشري، المفصل، ج 2، ص. 290؛ وابن يعيش، شرح المفصل، ج 10، ص. 128. التصور نفسه انتقل إلى القراء، كما في: ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، ج 1، ص. 203؛ والشاطبي، حرز الأماني؛ وابن القاصح، سراج القارئ المبتدئ، ص. 409. وكرر ذكره من اللغويين المحدثين بغير اختبار أو تمحيص تمام حسان في اللغة العربية معناها ومبناها، ص. 59؛ وأعاده من جديد في مناهج البحث في اللغة، ص. 87.
(1/6775)
________________________________________
.
... قائمة الصويتات الهامشية المتقابلة، وإن ضمّت بضع ثنائيات كما في الثُّلاث (13)، فإنها توفر ثُمانية من »القيم الخلافية« التي يمكن استثمارها للتمييز الداخلي بين التصويتات المكونة لمجموعة واحدة يسري في كل منها الصويت النووي نفسه. العدد المذكور من القيم الخلافية يمكن صوغه كما يلي:
 
... (14) ... ( أ ) جهر + شدة + تفخيم.
... ... (ب) همس + رخاوة + ترقيق.
... ... (ج) جهر + شدة + ترقيق.
... ... (د ) همس + رخاوة + تفخيم.
... ... (هـ) جهر + رخاوة + تفخيم.
... ... (و ) همس + شدة + ترقيق.
(1/6776)
________________________________________
... ... (ز ) جهر + رخاوة + ترقيق.
... ... (ح) همس + شدة + تفخيم.
 
... التقابل الثنائي بين الصويتات الهامشية في الثُّلاث (11) يوفر من القيم الخلافية المحصورة في المسرد (12) أكثر مما يفتقر إليه النسق النصفي في أي لغة من اللغات. وعد الافتقار إذا أضيف إلى رهن القيمة الخلافية بالتقابل الصريح تكوَّن من الجميع مبرر قوي على انتفاء الصويت البيني.
... وإن توظيف كل هذه القيم الصوتية سيؤدي لا محالة إلى رفع »عتبة الانتظام« في سلمية تساند إلى الثمانية، وهو مستبعد لمبرِّر مهم؛ وهو تجنب الإكثار في النسق
(1/6777)
________________________________________
النَّصْغي من التَّصويتات المتجانسة التي تصدر من الحيز الواحد. إذن يعنينا الآن الوقوف على كيفية استخدام اللغات للتقابلات الثنائية في الثُّلاث (13).
...
2.2.1 ـ نَوَيات الصوامت وهوامشُها
... بموجب علاقة المخالفة يُفترض أن يستقل كل صامت بصويت نووي استقلالَ هذا الأخير بحيِّز منشئه الخاص. فلا يصدر من الحيز الواحد أكثر من صُوَيْت نووي واحد، ولا يكون الصويت النووي الواحد لأكثر من صامت واحد. إذا صحت »الأحادية النَّطْقية«؛ (من الحيز الواحد يتولد صويتٌ نووي واحد يقوِّم تصويتةً واحدة سواءٌ كانت صامتاً أو
(1/6778)
________________________________________
صائتاً)، استغنى النسق النصغي عن القيم الخلافية التي توفرها الصويتات الهامشية. لكن هذه الأحادية مكلفة، إذ تجبر المتكلم، أيّاً كانت بنيةُ أعضائه النُّطقية، على استغلال كل الأحياز في جميع الشعب المكونة لمختلف مناطق جهاز التصويت البشري، كما يوضحه المبيان (5) من المبحث (1 .2)، وفي ذلك نقض لمبدإ الخفة والاقتصاد في الجهد (1)
__________
(1) بنية جهاز التصويت البشري وإن كانت واحدة لكن أعضاءها متغايرة الأحجام والأشكال، وهو ما يحمل ناطقين على استغلال ما يخف من المناطق النطقية وإهمال ما يثقل عليهم، ويتكرر ذلك مع غيرهم، فاختلفت اللغات من حيث التصويتات المستعملة في كل منها. للمزيد من التفصيل، انظر: الفارابي، كتاب الحروف، ص. 136.
(1/6779)
________________________________________
.
... يلزم عن المثبت في آخر الفقرة السابقة أن يصدق الشق الأول من الأحادية النَّطقية؛ فلا يتولد عن الحيز الواحد سوى صويت نووي واحد، ولا يصح شقها الثاني لأن مبدأ الخفة يستوجب إعمال أعضاء نُطقية وإهمال أخرى، فكان المحصول أقل من الحاجة، واشتركت تصويتات، من اللغة الواحدة أو من لغات مختلفة، في صويت نووي. وإذاك تتدخل الصويتات الهامشية لإحداث جهة خلافية، كما يتبين مما يلي:
... (15) (أ). الحفيف: صُوَيْتٌ نووي يتولد عن حيِّز متشكل من إلصاق الشفة السفلى بالثِّنْتَيْن العُلويين من غير حبس تام للنفس المدفوع
(1/6780)
________________________________________
إليه. وصُوَيْتُ الحفيف يسري في أكثر من صامت واحد في نسق نَصْغِي واحد أو في نسقين متغايرين. فهو الجامع بين الصامتين الواقعين ثالثاً في القَوِلَتين الأعجميتين؛ (تلفون/ تلفِزْيُون). والمسموع ثالثاً أيضاً عند التلفظ بمثل القَوِلات العربية؛ (سلَف/ علَف/ تلَفَ). اشتراك صامتين من النسق الواحد في صويت الحفيف النووي يستوجب:
... أولاً: إحداث جهة خلافية، فيُضْطَرُّ إلى إدخال احتمال واحد على الأقل من التقابلات الثنائية بين الصويتات الهامشية الماثلة في الثلاث (13)، وبه يحصل التغاير كما يوضح المثال (15 ب ج)
(1/6781)
________________________________________
التالي:
... (15) . (ب) حفيف + همس ( ف (تلفون)
... (ج ) حفيف + جهر ( ف (تلفزيون)
... ويدعو ثانياً إلى إدراج ذينك الصامتين في سلمية تساند الشرط الرئيس لقيام نسقية نصغية نمطية. ونحصل بذلك على المثال (15 د) التوضيحي ونحوه (03) في الطرة (1) من الهامش أسفله.
 
... (15) . (د) ف - V ...
__________
(1) بالسلمية (03) ينتظم الصامتان (/ F / , / V /) المسموعان من تلفظ القولتين، الإنجليزية (five)، والفرنسية (vif) كالآتي: ... F < V (03).
(1/6782)
________________________________________
... هذه السلمية تعبر، كغيرها من سلميات التساند، عن ضوابط ثابتة لا تتخلف، وإنما يتغير في كل منها ما يخص العناصر الصوتية الماثلة فيها. إذ تنص هذه على ما يلي:
... 1) سريان الصويت الحفيف النووي في الصامتين (/ف/ ، / V /).
... 2) جهة الخلاف يحدثها تقابلُ صويتَي الجهر والهمس الهامشيين.
... 3) كل لغة تستعمل الصامت اللاحق / V /، كالفرنسية، يلزمها استعمال الصامت السابق /ف/ ، ولا ينعكس.
... 4) كل لغة اكتفت كالعربية بالصامت السابق /ف/ لا يلزمها اللاحق /V/ ، لكن نسقها النصغي مجبر على ملاحظة صويت الجهر
(1/6783)
________________________________________
المميز للصامت المهمل، لأن الهمس لا يميّز الصامت /ف/ في نسقه إلا إذا قوبل بالجهر المميز لصامت آخر في النسق نفسه أو في نسق نصغي آخر. وبهذا المعنى ينبغي فهم التقابلات الثنائية بين الصويتات الهامشية. والذي أوردناه هنا لا يتخلف في الباقي.
... (16). (أ). الغنّة: صويت نووي ينشأ في الخيشوم إذا انفتح المجرى الأنفي بإبعاد الصفاق الحنكي، وانغلق طريق الفم مطلقاً بإطباق الشفتين أو نسبياً بإلصاق محيط اللسان بمغرس الأسنان العليا. وهو الجامع بين الصامتين المسموعين أولاً عند التلفظ بالقَولَتين: (نَجْدٌ /
(1/6784)
________________________________________
مَجْدٌ)، وثانياً عند إصدار مثل: (عَنيدٌ / عَميدٌ)، وأخيراً في نحو (إِعْلاَنٌ / إِعْلاَمٌ).
... اشتراك الصامتين / ن / ـ / م / في صويت الغنة يستوجب، فضلاً عن صوغهما في سلمية، إحداث جهة خلافية. ويحصل تغايرهما بتقابل ثنائية الشدة (الناجمة عن فتح مفاجئ للشفتين المطبقتين، وانعتاق مباغت للنفس المحبوس في الفم خلفهما)، والرخاوة (وهي الصويت الذي يجري متصلاً في المجرى الأنفي من جراء الانسداد النسبي لطريق الفم). ويكون تمايز ذينك الصامتين، كما في (16ب ج)، وانتظامهما النسقي كما في (17).
(1/6785)
________________________________________
... (16). (ب) غنة + رخاوة ( / ن /.
... (ج) غنة + شدة ( / م /.
... (د ) ن - م ...
 
... العبارة (16) تدل بمحتواها على سريان صويت الغنة النووي في الصامتين /ن/ ـ/ م/، فأُدخِل تقابلُ »رخاوة/ شدة« لإحداث جهة فارقة، فحصل التمايز واستُغني عن باقي الصويتات الهامشية، حتى صار ذكرها من قبيل الحشو. كما تنص على أن اللغة التي تستعمل / م / يلزمها أن تستعمل / ن / أيضاً، ولا ينعكس(1)
__________
(1) من خلال تزجية سيمون ديك للكليات اللزومية ذكر هذه العلاقة بين الصامتين: / M / - / N / ونص على محتوى السلمية (16 د) أعلاه. للمزيد من التفصيل، انظر كتابه نظرية النحو الوظيفي (S. Dijk, The Theory of FG).
(1/6786)
________________________________________
.
... (17). (أ). الصفير: راسمة لوصف الصويت النووي المتولد عن جريان النفس بين الثنايا المطبقة، وبغير أحد هذين السببين لا ينشأ الصفير الحسيسي. يدل على ذلك انتفاؤه عند العض ولو على قطعة من ورق دقيق. وهو الجامع بين الصوامت المسموعة أولاً عند النطق بالقَوِلات (زاد، ساد، صاد) والمسماة في اللسانيات العربية القديمة كذلك بحروف الصفير لصدور جميعها من حيز أسناني(1).
__________
(1) راجع ابن سينا، أسباب حدوث الحروف، والمصادر المسرودة في الطرة (17).
(1/6787)
________________________________________
... اشتراك الصوامت / ز/ ـ / س / ـ / ص / في الصويت النووي نفسه يستوجب إدخال ثنائية الجهر والهمس لإحداث جهة فارقة بين / ز / ، / س /. ثم إعمال ثنائية الترقيق والتفخيم لإيجاد قيمة خلافية يحصل بها تغاير / ص / ، / س/. وهو ما يمكن التعبير عنه بما يلي:
 
... (17) (ب) صفير + ترقيق + جهر ( / ز /.
... (ج) صفير + ترقيق + همس ( / س /.
 
... (د ) صفير + همس + ترقيق ( / س /.
... (هـ) صفير + همس + تفخيم ( / ص /.
...
(1/6788)
________________________________________
... أثبتنا في موضع آخر (1) أن لغات كالفرنسية ونحوها الإنجليزية لا توظف صويتَ التفخيم في التغاير الدلالي. لكن نسقها النَّصْغي مجبر على ملاحظته، وإلا انتفى مقابل الترقيق، وعندئذ يفقد كلاهما القدرة على إحداث الجهة الخلافية المطلوبة.
... إعمال الثنائيتين: »الجهر v الهمس« و»الترقيق v التفخيم« سيرفع عتبة الانتظام؛ في اللغات التي توظفهما كالعربية (2)، إلى الثلاثي كما في السلمية (17و). بخلاف
__________
(1) انظر: محمد الأوراغي، الوسائط اللغوية، ج 2، الفصل السابع منه.
(2) راجع الطرة 4 في الفصل الأول من هذا العمل.
(1/6789)
________________________________________
اللغات التي تكتفي كالفرنسية بالترقيق وبملاحظة مقابله التفخيم الذي أهملته، فإن نسقها النصغي سيضطر إلى التخلي عن الصامت الثالث في السلمية المذكورة.
... (17) (و). ز - س - ص ...
... يعتبر التقابل المحصور بين إعمال لغات لثنائية »الترقيق v التفخيم« وإهمال غيرها لها من الأسباب المباشرة في تنميط الأنساق النصغية(1)
__________
(1) التنميط اللغوي ربطناه بالوسائط اللغوية. وهذه كما نتصورها عبارة عن إمكانات متقابلة تجبر اللغات جميعاً على اختيار بعضها لإمكان وإهمال مقابله المنتقى من بعضها الآخر، فتحصل اللغات بدءاً في أنساق نمطية. للمزيد من التفصيل، انظر: الأوراغي، الوسائط اللغوية، ج 1، الفصل 3 منه.
(1/6790)
________________________________________
، لأنه بالإضافة إلى ارتفاع عتبة الانتظام، في المكون النطقي، بدرجة فإن الإبدال مثلاً، في المكون النَّصْتي، سيتسع هو أيضاً بالنسبة نفسها، كما سنوضح ذلك لاحقاً إن شاء الله.
(1/6791)
________________________________________
النهضة الفقهية في ظلال الدولة الموحدية
 
الدكتور فاروق حمادة
كلية الآداب -الرباط
... لقد امتد عمر الدولة الموحدية، قرنا ونيفا من الزمان، من نحو 540ه، لإلى محو 650ه وخفقت أعلامها الإسلامية من حدود مصر والسودان شرقا، إلى المحيط الأطلسي غربا ومن قمم جبال البرينية في قلب أوربا شمالا إلى ما شاء الله في قلب لإفريقيا جنوبا، ولولا البحر والمحيط الذي حجز امتداد في آسفي وما والاها ، لكان لها في مغرب الشمس قراع وصراع واتساع ، وقد بلغت كل هذه السعة في زمن يسير ، ودهر قصير ، عم في أغلب أيامها الرخاء، وطاولت
(1/6792)
________________________________________
قوتها الجوزاء، ونالت ولا زالت تنال من الباحثين أبلغ المدح والثناء ، لشواهدها الدالة عليها ، من مكارم وعظائم ،وفي مقدمة آيات فخارها ومجدها عن المعمار والبناء ،وقديما ردد الخليفة الأموي الناصر وهو يشيد ويبني في الأندلس:
هم الملوك إذا أرادوا ذكرها
إن البناء إذا تعاظم قدره
من بعدها فبألسن البنيان
أضحى يدل على عظيم الشان
 
... ... لقد ترك الموحدون ، ويعقوب المنصور منهم على الخصوص الذس سنقف عنده ، منائر للإسلام شامخة ،يشق صوت مناديها أجواز الفضاء ، ويدعو الخليفة إلى رب السماء عنوانا لهذه الدولة السنية
(1/6793)
________________________________________
السنية ، فالكتبية في مراكش رمز لإفريقيا كلها، وصومعة حسان في رباط الفتح رمز للجهاد وأهله في الإسلام على مدى الأيام، والخيرالدا في إشبيلية قمة حضارة إنسانية معطاء لاتنال منها تشويهات الحاقدين ، وعبث العابثين على مر القرون ، شاهد حق للناس على أن المسلم يبني الخير أينما حل، وينتشر الرقى في كل الأنحاء .
... لقد توجهت هذه الدولة بالفكر الإسلامي توجها جديدا يكن آنئد، وبهذا التوجيه حصل إبداع وابتكار ، وحفظت لهذه الأمة كثير من مصادر المعرفة والآثار ، ونتاج أعلامها الأخبار الأبرار.
(1/6794)
________________________________________
... لقد أرادت هذه الدولة أن تعيد أمر الحياة الإسلامية جذعا، وتعود بالمسلمين إلى عصور الخير والازدهار، إلى القرون الثلاث الأولى ، في الفكر والسلوك ونمط الحياة.
... وقد كان القرن الرابع والخامس الهجريين مرحلة استقرار الفقه الإسلامي بمدارسه المعروفة، ومذاهبه السنية خاصة، الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنبلية، وتبلورت هذه المدارس الاربعة من خلال قواعد وأصول بنيت عليها، وأغصان وفروع انطلقت منها، وتميزت كل مدرسة بأصولها الخاصة التي تختلف بها عن المدارس الأخرى، مع اشتراك جميع هذه المدارس بجزء عظيم.
(1/6795)
________________________________________
ودونت هذه القواعد والأصول، وكتبت كتب الفروع ،ولا ضير في ذلك ، إلا أن المعركة التي استمرت في بناء الفقه الإسلامي في طليعة القرون الثلاثة الأولى، وعرفت فيها تقارع الأفكار وتدافع الحجج وابتكار الأساليب ، بما بهر العقول، وحير الأفكار، فأين مطارحات ابن أبي ليلى وأبي حنيفة ؟ وأين مناقشات الشافعي مع محمد بن الحسن الشسباني، وأين المراسلات التي كان ترد وتصدر بين مالك والليث بن سعد ،وأين ندوات الأوزاعي وغيره ؟ وأين حلقات أحمد بن حنبل وأبي عبيد القاسم بن سلام، وأبي ثور الفهمي ؟ وأين، وأين...؟
(1/6796)
________________________________________
... لقد همد هذا في القرن الرابع والخامس، وألفت في كل مذهب كتبه الخاصة، وتعدى الأمر إلى تأليف المختصرات والعكوف عليها والتعصب للمذاهب والدفاع عنها . فللحنفية مختصر الطحاوي ثم تلاه مختصر القدوري وهم عمدة هذا المذهب إلى اليوم، وللشافعي مختصر المزني زتلاه ما تلاه وإلى يومنا هذا ،وللمالكية مختصر بن عبد الحكم وغيره ، وللحنابلة مثل هذا، وبالأمس كان منزع الفقهاء من القرآن الكريم والسنة، واليوم عكوفهم على هذه المختصرات وكتب المذهب خاصة. فحصل بذلك نوع من الهمود والركود، وما كانت المناظرات بعد إلا دفاعا
(1/6797)
________________________________________
عما هو موجود ، وانتصارا لما هو قائم، وعرى دولة المسلمين نوع من التفكك وتقطيع الأوصال، مما قطع الأفكار وحير العقول، فالدولة البوهية في بغداد والمشرق، والسلجوقية في الشمال والفاطمية بمصر، والطوائف في الأندلس ، والمرابطية في أفريقيا والمغرب ... وهذا له ماله من أثر في دفع حركة الفقه، وعجلة التشريع، وتشذما وتشتتا .
... وكانت أفريقيا والأندلس مقرا لأتباع مالك بوجه عام من أيام مالك رحمه الله في نهاية القرن الثاني ، ولكنها كانت إلى جانب الفقه المالكي تعج وتموج بالمحدثين الوارجين إلى مدارس الحديث
(1/6798)
________________________________________
بالمشرق، والصادرين عنها، فكان الفقهاء محدثين، والمحدثون فقهاء في الأعلم الأغلب .
... واستمرت الأمور علة ذلك مدة حتى جاءت الدولة المرابطية من منتصف القرن الخامس 465ه تقريبا فعملت على ترسيخ الفقه المالكي المجرد عن الدليل، وذلك في أيام أمير المسلمين يوسف ين تاشفين وابنه علي الذي امتد حكمه إلى سنة سبع وثلاثين وخمسمائة، وكان كأبيه، ومما جاء في وصفه : أنه شجاع مجاهد، عادل دين، ورع صالح ، معظم للعلماء، مشاور لهم نفق في زمانه الفقه وكتب الفروع، حتى تكاسلوا عن الحديث والآثار، وأهينت الفلسفة ...(1)
__________
(1) انظر : الذهبي، سير الأعلام النبلاء، ج20، ص. 124؛ الناصري، الاستقصاء، ج2، ص. 69.
(1/6799)
________________________________________
واستمرت سطوة الفروع، والكتب الفروعية مدة بقاء المرابطين ، ومن يرجع إلى تاربخ العلماء في هذه الفترة يجد أن عمل العلماء كان حول مدونة الإمام سحنون بن سعيد، اختصارا وتهذيبا، وشرحا وتعليقا ...
... حتى جاءت دولة الموحدين التي انبثقت على هدي أفكار محمد بن تومرت الذي كان قد جال في المشرق، ورأى صراع المدارس الفقهية الاتجاهات العقائدية، ولمس محاولات النهوض بالفقه الإسلامي والبحث عن الدليل من القرآن والسنة، ودرس على الغزالي الشافعي، كما درس على مالكية المشرق، وعاد إلى المغرب ، وشارك بأعمال علمية منها
(1/6800)
________________________________________
اختصاره لموطأالإمام مالك وله المكانة العليا عند المحدثين والفقهاء، وحرر رسائل في العقائد وغيرها، ودرب أتباعه على قراءة القرآن حزب فيالصباح وحزب فيالمساء ليختم كل شهر ، وحاول إبعاد الناس عن الفروع الفقهية وكتبها (1) .
... ولما آل الأمر إلى عبد المؤمن بن علي، وأقام الدولة الموحدية، ومد رواقها، وأصغى له الدهر كما قال الوزير أبو جعفر بن سعيد العنسي، مخاطبا له في قصيدة بجبل الفتح - جبل طارق(2)
__________
(1) انظر : عبد المجيد النجار، المهدي بن تومرت : حياته وآراؤه، ص. 362.
(2) انظر : الحلل الموشية في الأخبار المراكشية، ص.
(1/6801)
________________________________________
- :
تكلم فقد أصغى إلى قولك الدهر
ورم كل ما قد شئته فهو كائن
فما لسواك اليوم نهي ولا أمر
وحاول فلا بر يفوت ولا بحر
... وعمق عبد المؤمن اتجاه شيخه المهدي بن تومرت في دفع كتب العروع وإعلاء شأن الأصول، والرجوع إلى القرآن والحديث ، قال الناصري : لما كانت سنة خمسين وخمسمائة، أمر أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي بإصلاح المساجد وبنائها في جميع ممالكه ، وبتغيير المنكرات ما كانت، وأمر مع ذلك بتحريق كتب الفروع، ورد الناس إلى قراءة كتب الحديث، واستنباط الأحكام منها وكتب بذلك إلى جميع طلبة العلم من بلاد
(1/6802)
________________________________________
الأندلس والعدوة (1) .
... وكان عبد المؤمن كما يصفه بن خلكان وغيره : فصيحا مفوها فقيها عالما بالأصول والجدل والحديث، مشاركا في كثير من العلوم الدينية والدنيوية .
... وأقبل طلبة العلم منذ ئذ على الأصول، ودفع عبد المؤمن بن علي أولاده إلى أهل الحديث ، ليحفظوه مع كتاب الله ،وقد جاء ترجمة ابنه يوسف في المعجم للمراكشي، وهو قريب العهد به(2) : صح عندي أنه كان يحفظ أحد الصحيحين، وأظنه صحيح البخاري .
__________
(1) انظر : الناصري، الاستقصاء، ج2، ص. 126
(2) انظر : المعجب، ص. 347.
(1/6803)
________________________________________
... وقال : لما تجهز لغزو الروم، أمر العلماء أن يجمعوا أحاديث في الجهاد تملى على الجند، وكان هو يملي بنفسه، وكبار الموحدين يكتبون في ألواحهم، وكان فقيها يتكلم في المذاهب ويقول : قول فلان صواب، ودليله من الكتاب والسنة كذا وكذا ...
... ولما استسلم ابنه يعقوب بن يوسف الملقب بالمنصور سنة 580ه ، كان هذا الإتجاه قد استقر وتوضح، وبلغ يعقوب المنصور من العلم بالكتاب والسنة و الفقه مبلغا عظيما، قال تاج الدين بن حمويه السرخسي، وقد زار المغرب سنة 593ه أي قبل وفاة المنصور بسنتين، وكان علىصلة بالمنصور، واطلع
(1/6804)
________________________________________
على أحوال دولته(1) : كانت الدنيا بسيادته مجملة، يقصد بفضله، ولعدله ولبذله، ولحسن معتقده ... وكانت مجالسه مزينة بحضور العلماء والفضلاء، تفتتح بالتلاوة، ثم الحديث، ثم يدعوا هو، وكان يجيد حفظ القرآن، ويحفظ الحديث، ويتكلم في الفقه، ويناظر، وينسبونه إلى مذهب الظاهر، وكان فصيحا مهيبا ... بزي العلماء وعليه جلالة الملوك، صنف في العبادات، وله فتاو، وبلغني السودان قدموا له فيلا فوصلهم، ورده وقال ما نريد أن نكون من أصحاب الفيل، وكان يجمع الزكاة ويفرقها بنفسه، وعمل مكتبا
__________
(1) انظر : سير النبلاء، ج21، ص. 316.
(1/6805)
________________________________________
للأيتام فيه نحو ألف صبي وعشرة معلمين .
... وقد صح عنه أنه أراد جمع صحيح السنة من مصادرها الأصلية، وأمر بذلك الحفاظ في عصره. قال الحافظ أبو الحسن ين القطان دولتهم ورأس طلبتهم : حرص رحمه الله على تدوين كتاب يشمل على عجب عجاب من صحيح آثار السنة، وتمحيص السنن الثابتة المثورة وتمييزها عن سقيمات الآثار المسطورة، وجعل ذلك لمهر طلبته الناهضين بخدمته...(1) وجمع كتاب الصلاة من الكتب الخمسة الأصول، والموطأ، ومسندي
__________
(1) من مخطوط الإقناع لابن القطاع الورقة الأخيرة، وانظر : عبد الواحد المراكشي، المعجب، ص. 401
(1/6806)
________________________________________
البزار وابن شبيه، وسنن الدرقطني، والبيهقي(1) .
... وأراد المنصور رحمه الله أن يؤصل للاجتهاد، وينفخ فيه روحا جديدا في ربوع مملكته، وروع أهل العلم من حوله ، فأضاف إلى السنة المطهرة بعد القرآن أن أمر بجمع كتال في الإجماع ، يضم المسائل التي أجمع عليها المسلمون من قبل حتى لايتخطاها أهل العلم لما للإجماع من مكانة، وأمر بجمع كتب الفقه المدهبي على اختلافها، واعتنى بالكتب التي تبسط المسائل مع أدلتها من القرآن والسنة ، وكأني به رحمه الله أراد أن يحيي فقه
__________
(1) انظر : عبد الواحد المراكشي، المعجب، ص. 401.
(1/6807)
________________________________________
الكتاب والسنة كما كان غضا طريا في القرون الثلاثة الأولى ، وجمعت كتب الفقه في هذا الباب وما اتهم به من ظاهرية (1) ينفيها ما ثبت عنها من رواح لكتب الفقه في عصره ، واعتماد الدولة ، لجميع الذاهب السنية ومنها المالكية،والظاهرية، وبما أن الظاهرية دائما يناقشون ويحتجون بالآثار فكتبهم محشوة بها ، وحظيت عندهم بهذا الإعتبار، وقد ثبت عندنا نفاق سوق كتب جليلة ذات شأن مما لم قرع اسمها إلا أسماع خاصة الخاصة منذ مدة طويلة، وهذا مادعانا إلى بيانها، وإشاعة ذكرها، وتغيير النظرو التي وجهت
__________
(1) المصدر السابق، ص. 401.
(1/6808)
________________________________________
الدولة الموحدية وعدها في صف الظاهرية ، وتعصبها لها ، والأمر ليس كذلك ، لتكون هذه الكتب محل البحث والإهتمام، والبعث والدرس، عنوانا ليقظة فقهية كما أرادت الدولة الموحدية وواسطة عقدها يعقوب من قبل، معتمدا في ذلك على كتب أبي الحسن القطان الفاسي المتوفي 628 وقد عاش في كنف هذه الدولة وسلك خطتها العلمية، وترك وراءه عديدا من الآثار الجليلة العلمية، واعتمادنا في هذا البحث على كتابه الإقناع في مسائل الإجماع، ولازال مخطوطا، وكتابه أحكام النظر في أحكام النظر بحاسة البصر، وهو مطبوع(1)
__________
(1) طبع الكتاب سنة 1416م بدار إحياء العلوم ببيروت، والشركة الجديدة دار الثقافة بالدار البيضاء بتحقيق الأستاذ الصمدي ومراجعتنا.
(1/6809)
________________________________________
، وكان هذا الإمام قيما على الخزانة الموحدية مسؤولا عنها، ولهذا فكتبه مستقاة منها معرفة بمظمون خزانة الموحدين، مرتبا الكتب الفقهية حسب المذاهب ومعرفا بها وبقيمتها.
... 1- أما المالكية فلم تحارثها الدولة الموحدية بإطلاق كما هو شائع بين كثير من الباحثين بل كانت كتب المالكية سائرة رائجة، ولكنها الكتب النقاوة، التي كانت قبل الدولة وبعدها محط اهتمام العلماء، وحازت قصب السبق في جميع الأعصار، وفي مقدمتها الموطأ للإمام مالك أصل الأصول ، فكان له شأن لدءا من محمد بن تومرت الذي اختصره إلى يعقوب المنصور.
(1/6810)
________________________________________
والمدونة، التي نقل فيها سحنون آراء مالك وابن القاسم.
... * ومن أعلام المالمية وأصحاب المصنفات الذين استمر أثرهم الفقهي ولقي قبولا في الدولة الموحدية، القاسم بن محمد بن سيار القرطبي المتوفي 278ه ، وهو المحدث الكبير تلميذ المزني حام لعلم الشافعي، وتلميذ يونس بن عبد الأعلى، ومحمد بن عبد الله بن عبد الخكم، والحارث بن مسكين، وكان يعرف بصاحب الوثائق لشهرته بها، قال بن حزم : وإذا ذكرنا قاسم بن محمد لم نباه به إلا القفال، ومحمد بن عقيل الفريابي ، وله تآليف جليلة، ومنها كتاب الإيضاح في الرد على
(1/6811)
________________________________________
المقلدين، ومصنف جليل في خبر الواحد(1) .
... * ومنهم محمد بن إبراهيم بن زياد الإسكندراني المعروف بابن المواز المتوفي 281ه أو نحوها، كان راسخا في الفقه والفتيا علما في ذلك، وكان المعول بمصر على قوله .
... قال القاضي عياض(2) : وله كتابه الكبير المشهور، وهو أجل كتاب ألفه قدماء المالكيين وأصحه مسائل وأبسطه كلاما وأوعبه، وذكره أبو الحسن القابسي، ورجحه على سائر الأمهات، وقال :
__________
(1) انظر ترجمته في : القاضي عياض، ترتيب المدارك لمعرفة أعيان مذهب مالك، ج4، ص. 446.
(2) انظر : ترتيب المدارك، ج4، ص. 167- 169.
(1/6812)
________________________________________
لأن صاحبه قصد إلى بناء فروع أصحاب المذهب على أصولهم في تصنيفه، وغيره وإنما قصد إلى جمع الروايات ونقل منصوص السماعات ... إلا ابن حبيب فإنه قصد بناء المذهب على معان تأدية إليه .... ويسمى كتابه هذا بالموازية، وكان له حضور قوي في الغرب إبان العهد الموحدي وقد اقتبس منه ابن رشد الحفيد في بداية المجتهد، وابن قطان في كتابه إحكام النظر وأكثر عنه(1) .
__________
(1) انظر : إحكام النظر، ص. 185، 313، 316، 345 وغيرها وانظر 318 حيث يذكر أنه نقل النص من كتابه.
(1/6813)
________________________________________
... * ومنهم كذلك إسماعيل بن إسحق القاضي المتوفى 282ه(1) أحد الرؤساء الكبار، وإمام المدرسة المالكية ببغداد جمع القرآن، وعلوم القرآن، والحديث، وآثار العلماء والفقه والكلام والمعرفة بعلم اللسان صنف في مذهب مالك ورد على أصحاب الشافعي وأبي حنيفة، وولي القضاء، وكان لكتبه وزن كبير، وكانت عمدة في فقه المالكية ومنها المبسوط الذي اقتبس منه فقهاء المالكية كثيرا وأحكام القرآن
__________
(1) انظر ترجمة في ، تاريخ بغداد، ج6، ص. 284؛ ومعجم الأدباء، ج6، ص. 129؛ والدبياج المذهب،ج1، ص. 282؛ وسير النبلاء، ج13، ص. 339.
(1/6814)
________________________________________
والأموال، والشفاعة، والصلاة على النبي عليه الصلاة و مسند حديث يحيى بن سعيد الأنصاري، وأيوب السختياني، وهذه الكتب هب من مرويات محمد بن خير الأشبيلي في فهرسته والمتوفي سنة 575ه أي في عصر الدولة الموحدية(1) .
... * ومنهم ابن الجهم المالكي، محمد بن أحمد، يعرف بابن الوراق المروزي، صحب إسماعبل القاضي، وتفقه به ومعه، ومع كبار أصحاب ابن بكير وغيره وتوفي سنة تسع وعشرين وثلاثمائة .
__________
(1) انظرالمقياسات عنه في : إحكام النظر، ص. 145، 292 وغيرها.
(1/6815)
________________________________________
... ألف كتابا جليلة على مذهب مالك، وشرح مختصر ابن عبد الحكم الصغير، وله معرفة تامة بالحديث، قال الخطيب : له مصنفات حسان محشوة بالآثار، يحتج المذهب مالك، ويرد على مخالفيه، وقد انتشرت مؤلفاته في الدولة الموحدية واقتبس منها العلماء (1) ولانعلم عنها شيئا الآن .
__________
(1) انظر : الاقتباس في إحكام النظر : ص. 99، 144، 385، 299، 303؛ وانظر ترجمته وهي عزيزة نادرة في ترتيب المدارك، ج5، ص. 19، 20؛ والديباج المذهب، ص. 185.
(1/6816)
________________________________________
... * ومنهم المنذر بن سعيد البلوطي، أبو الحسن الأندلسي المتوفي 355ه سمع بالأندلس من عبيد الله بن يحيى ونظرائه، ثم رحل حاجا سنة 308ه فسمع بمكة من محمد بن المنذر النيسابوري المتوفي 318ه كتابه الإشراف على اختلاف العلماء، وهو من أعظم كتب الإسلام في الفقه وروى بمصر كتاب العين للخليل بن أحمد، وكان متفننا في ضروب العلم، ولي القضاء الجماعة بقرطبة من سنة 339إلى سنة 355ه حتى موته وكان يقضي بمذهب مالك بن أنس لايخرج عنه ، وكان له احتفالا بكتب الأدلة وخاصة كتب داود الظاهري، مما أكسبه معرفة بالمناظرة واختلاف
(1/6817)
________________________________________
العلماء، قال خشمي في قضاة قرطية : وكان من أهل النفاذ والتحصيل، متدربا للمناظرة متخلقا بالإنصاف جيد الفهم، طويل العلم؛ بليغا موجزا يميل إلى طرق الفضائل، ويوالي أهلها، ويلهج بأخبار الصالحين .
... وله تصانيف حسان جدا كما يقول ابن بشكوال، وقال ابن الفرضي : له كتب مشهورة كثيرة في القرآن والفقه، والرد، أخدها الناس عنه، وقرؤوها عليه .
... ومن كتبه التي راجت وكان لها شأن في الدولة الموحدية : الإنباه عن الأحكام من كتاب الله، والإبانة عن حقائق أصول الديانة، وناسخ القرأن ومنسوخه، وقد اقتبس العلماء من كتبه
(1/6818)
________________________________________
وخاصة الأول منهم ابن القطان في الإقناع وهو من مرويات ابن خير الإشبيلي في فهرسته(1) .
... * ومنهم الإمام الأبهيري ، أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن صالح المتوفي 375 جمع بين القراءات، وعلوم الإسناد في الحديث، والفقه الجيد، وشرح مختصر ابن عبد الحكم، وعنه انتشرت مذهب مالك في المشرق قال الإمام الدرقطيني : هو إمام
__________
(1) انظر : ابن خير، فهرسته، ص. 53؛ وامظر : الاقتباس في الإقناع، الفقرات : 257، 262، 279، 323، 330، 333 وغيرهاكثير؛ وترجمته مطولة في غير مصدر ومنها سيرا علام النبلاء، ج16، ص. 173.
(1/6819)
________________________________________
المالكية، وإليه الرحلة من أقطار الدنيا، رأيت جماعة من الأندلس والمغرب على بابه، ورأيته يذاكر بالأحاديث الفقهية، ويذاكر بحديث مالك، ثقة مؤمون زاهد ورع .
... قال الخطيب البغدادي : وله التصانيف في شرح مذهب مالك بن أنس والاحتجاج له والرد على من خالفه وقال القاضي عياض : لأبي بكر من التواليف سوى شرحي المختصرين : الرد على المزني، وكتاب الأصول، وكتاب إجماع أهل المدينة، ومسألة إثبات حكم القافة، وكتاب فضل المدينة على مكة ومسألة الجواب، والدلائل والعلل.
(1/6820)
________________________________________
... وقد حمل علمه وكتبه جمع من المغاربة والأندلسيين وشاعت كتبه فيهم واقتبسوا منها في العهد الموحدي، ولم يبق منها أثر اليوم(1) .
... * ومنهم أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد المعروف بابن القصار المتوفي 398ه، قال القاضي عبد الوهاب المالكي : تذاكرت مع أبي حامد الأسفرايني الشافعي في العلم، وجرى ذكر أبي الحسن القصار وكتابه في الحجة المذهب مالك فقال لي : ماترك صاحبكم لقائل ما يقول .
__________
(1) انظر ترجمة في : تاريخ بغداد، ج5، ص. 466؛ والسيرازي، طبقات الفقهاء، ص. 167؛ وترتيب المدارك، ج6، ص. 183 وغيرها.
(1/6821)
________________________________________
... وقال الشيرازي : وله مسائل الخلاف كتاب كبير ، لاأعرف لهم في الخلاف كتابا أحسن منه(1) . وقد اختصر كتابه في عيون المسائل،واختصر بدوره نكت العيون، وأكثر ابن القطاب النقل منه كتابه الإقناع.
... * ومنهم : ابن بطال سليمان بن محمد بن بطال البطليوسي، أبو أيوب المتوفى نحو 400ه وهو فقيه مقدم، وشاعر محسن كثير الشعر ، ترجمه غير واحد كالحمدي والضبي، وذكر له في نفح الطيب : الأحكام فيما لا يستغني عنه الحكام، وله شرح على البخاري،وهو غير ابن بطال علي ين خلف الآتي ذكره
__________
(1) انظر الشيرازي، طبقات الفقهاء، ص. 168.
(1/6822)
________________________________________
، فأين كتابه الأحكام ؟!
... * ومنهم الباقلاني؛ سيف السنة زلسان الأمة ، المتكلم على لسان أهل الحديث، وطريقة أبي الحسن الأشعري المتوفى 403ه إليه انتهت رئاسة المالكية في عصره، وكان له في جامع البصرة حلقة عظيمة، وذكر له القاضي في المدارك كتبا كثيرة، منها البيان عن فرائض الدين وشرائع الاسلام ووصف ما يلزم من جرت عليه الأقلام من معرفة الأحكام، وكتاب الانتصار وقد حمل المغاربة والأندلسيون كتبه وآراءه عن تلميذه الحافظ أبي ذر الهروي من مكة، وكان لها رواج في العهد الموحدي لأنهم قفوا طريقته في العقائد
(1/6823)
________________________________________
الأشعرية. وقد نقل ابن القطان في كتابه أحكام النظر نصوصا عديدة عنه(1) .
... * ومنهم أبو القاسم ين الجلاب، عبيد الله بن الحسن، وقيل : الحسين المتوفى 398ه تفقه بالأبهري وغيره وله كتاب في مسائل الخلاف، وكتاب التفريع في المذهب وهو مشهور، وقد اقتبس منه الحافظ ابن القطان(2) .
__________
(1) انظر : الاقباس في إحكام النظر، ص. 128، 386، 402، 407، وقد أكثر عنه أما ترجمته فمشهورة متداولة.
(2) انظر ترجمته في : المدارك، ج7، ص.76؛ والشيرازي، طبقات الفقهاء، ص. 168؛ وانظر: الاقباس في لأحكام النظر، ص. 261.
(1/6824)
________________________________________
... * ومنهم القاضي عبد الوهاب بن علي بن نصر، المتولى 422 ه الفقيه الشاعر المتأدب له كتب كثيرة في كل فن من الفقه، ومنها الإشراف، والتلقين وهو من أجود المختصرات، والممونة في شرح الرسالة، وغير ذلك، وقد اقتبس ابن القطان وغيره من شرحه الرسالة(1) .
... * ومنهم أبو عمر والطلمينكي، الإمام المقرئ المحدث الحافظ المتوفى429 ه، من شيوخ الحافظ ابن عبدالبر، وابن حزم، وكان من بحور العلم، رحل، وأدخل الأندلس علما جما نافعا قال الذهبي(2) : صنف كتبا
__________
(1) انظر : إحكام النظر، ص. 287.
(2) انظر : سير النبلاء، ج17، ص.567.
(1/6825)
________________________________________
كثيرة في السنة يلوح فيها فضله، وحفظه وإمامته، واتباعه للأثر .
... وقال القاضي عياض(1) اتسعت روايته، وتفنن في علوم الشريعة، وغلب عليه القرآن والحديث وألف تآليف نافعة كثيرة كبارا وصغارا، مختصرة، احتسابا، ككتاب الدليل إلى المعرفة الجليل، ونحومائة جزء، وكتابه في تفسير القرآن نخو هذا، والبيان في إعراب القرآن، وفضل مالك، ورجال الموطأ، والرد على ابن مسرة، والوصول إلى معرقة الأصول، وغير ذلك، وكان هذا الأخير متداولا في العصر الموحدي، واقتبس منه الحافظ ابن القطان في
__________
(1) انظر ، ترتيب المدارك، ج8، ص. 32.
(1/6826)
________________________________________
كتابه الإقناع، كما اقتبس منه معاصره في المشرق الحافظ ابن تيمية الحراني وتلميذه ابن قيم الجوزية(1) .وهو من مرويات ابن خير الأشبيلي في فهرسته.
... * ومنهم ابن بطال، علي بن خلف العلامة الفقيه المشهور المتوفي 444 ه أو 49، صاحب شرح البخاري الذي اكثر النقل عنه ابن حجر في فتح الباري، وقال القاضي عياض(2) كبير يتنافس
__________
(1) انظر : الإقناع، الفقرات : 2، 8، 13، 70، 72، 76 وغيرها، انظر : بن تيمية، درء تعارض العقل مع النقل، ج2، ص.35، ج6، ص. 250؛ وانظر : ابن خير، فهرسته، ص. 259.
(2) انظر :ترتيب المدارك، ج8، ص. 160.
(1/6827)
________________________________________
فيه كثير الفائدة، وله الزهد والرقائق، والاعتصام في الحديث، وقد أكثر النقل عنه ابن القطان في كتابه الإقناع بشكل واضح فيما يتعلق بمسائل الأجماع(1) .
... * ومنهم حافظ المغرب الإمام الحجة أبو عمر يوسف بن عبد البر القرطبي المتوفى 463 ه صاحب المؤلفات الجليلة النافعة زمنها التمهيد، والاستنكار في شرح الموطأ، وعد الإمام الذهبي كتاب التمهيد رابع أربعة كتب هي أمهات كتب الإسلام، وكانت كتبه من مفاخر الغرب الإسلامي، ولهذا علا شأنها في الدولة
__________
(1) انظر عن سبيل المثال الفقرات : 354، 407، 417، 599، 673، 696، 827.
(1/6828)
________________________________________
الموحدية، ورجح ميزانها في هذه الفترة لأنها مملوءة بالأدلة مترعة بنفس الاجتهاد عمدة في نقل مذاهب الماضي الموافقين للمالكية والمخالفين.
... وقد أكثر عنها جدا ابن القطان في جميع كتبه الحديثية والفقيهية ووصفه بأنه أحد أشياخ المذهب المالكية وما كتاب بداية المجتهد لابن رشد إلا اختصار لكتاب الاستذكار كما صرع هو بنفسه(1) .
__________
(1) انظر : بداية المجتهد، ج2، ص. 241؛ وانظر ترجمته في المدارك، ج8، ص.127؛ وانظر : حكام النظر، ص. 222.
(1/6829)
________________________________________
... * ومنهم الباجي، الوليد سليمان ين خلف المتوفى 474 ه القاضي العلامة صاحب التصانيف(1) ، ورافع راية المالكية في وجه ظاهرية ابن حزم، وله كتب كثيرة ومنها المنتقى في شرح الموطأ، وغيره. وكان لكتبه استمرار وحضور، واقتبس منها الحافظ ابت القطان في إحكان النظر(2) ووصفه بأنه أحد أشياخ المذهب المالكيين، ونقل ابن خير في فهرسته رواية عن الباجي في عديد من كتبه بلغت اثني عشر كتابا(3)
__________
(1) ترجمته في : عياض، ترتيب المدارك، ج8، ص. 117، فقد بسط ترجمته وذكر مصنفاته.
(2) انظر : إحكام النظر، ص. 143، 222.
(3) انظر : ص. 552.
(1/6830)
________________________________________
... * ومنهم الإمام اللخمي، أبو الحسن علي بن محمد الربعي المتوفى بصفاقس سنة 478 ه هو شيخ الإمام المازري، ورئيس فقهاء إفريقية كان متفننا في علوم الأدب والحديث،والفقه، وحسن الفهم جيد النظر، له التعليق على المدونة المشثور باسم التبصير. وله اختيارات خرجت عم قواعد مذهب مالك، وضرب به المثل حتى قيل :
 
لقد هتكت قلبي سهام جفونها
كما هتك اللخمي مذهب مالك
 
... ومع هذا فهو أحد الأئمة الأربعة المالكية المعتمدة ترجيحهم عند خليل ابن إسحق في مختصره المشهور .وكانت كتبه حاصرة في العهد الموحدي، واقتبس منها الحافظ
(1/6831)
________________________________________
ابن القطان(1) .
... * ومنهم إمام المالكية في عصره بلا منازع أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد الجد المتوفى 520 ه صاحب البيان والتحصيل لما في المستخرجة من التوجيه والتعليل، شرح فيه المستخرجة من أسمعة مالك للعتبي، ووجه أقوالها، ومهد بين يدي هذا الكتاب الموسوعة وبين يدي كتاب المدونة للإمام سحنون بالمقدمات الممهدات، لبيان ما اقتضته رسوم المدونة من الأحكام الشرعيات والتحصيلات الممكنات، لأمهات مسائلها المشكلات والبيان والتحصيل
__________
(1) انظر : إحكام النظر، ص. 213؛ وانظر ترجمته في : ترتيب المدارك، ج8، ص. 109.
(1/6832)
________________________________________
جمع فيه ما تفرق من أقوال المالكية وكتبهم، ومحص ذلك أفضل تمحيص.
... وقد وصف ابن رشد الجد بأنه أوحد زمانه في طريقة الفقهاء، وقرب مذهب مالك تقريبا لم يسبق إليه(1) .
... وقد كان لكتب إمام المالكية وهو من رجال الدولة المرابطية التي قامت على أنقاضها دولة الموحدية، حضور واستمرار، فقد نقل عنها حفيده أبو الوليد بن رشد الفيلسوف كثيرا، ومثله الحافظ ابن القطان في أحكام النظر وغيره (2)
__________
 

المراجع

الموسوعة الشاملة

التصانيف

أبحاث